الشرود الذهني والتعليم عن بعد

الشرود الذهني والتعليم عن بعد
محمد بن إبراهيم البوصبيح

يعاني الكثير من المتعلمين والطلاب في المدارس أو حتى في الجامعات على حد سواء من الشرود الذهني أو ما يسمى بتشتت الانتباه ((Disorder Attention Deficit في الفصول الدراسية.

 

وهذا الشرود الذهني يسبب ضعفاً في التحصيل العلمي وانخفاضاً في مستوى التعلم لديهم. وهذا بطبيعة الحال يُصعّب مهمة المعلم في التواصل المباشر مع الطالب ويشعر أنه موجود بجسمه لكن عقله في مكان آخر تماما، وقد يصل ببعض الطلاب إلى النسيان المتكرر للمعلومات المهمة كالأسماء والأحداث والأشياء من حوله وهذه أخطر مراحل الشرود الذهني.

 

ومن الآثار التي تصاحب هذا الأمر هو شعور الطالب بعدم ثقته بنفسه وعدم القدرة على التركيز أثناء الدرس أو شرح المعلم والتفكير بأمور خارجية ليس لها علاقة بالدرس.

 

لا يخفى على كثير من المربين والمهتمين في الميدان التربوي أن هناك أسباب ومسببات لهذه الظاهرة وهي عدم قدرة المعلم على ضبط سلوك المتعلم الفكري والعقلي ومحاولة التحكم في انسجامه النفسي والجسدي أثناء الحصة الدراسية مما يشعره بعدم قبول التعلم والسرحان في أمور أكثر متعة خارج الفصل الدراسي كاللعب والأكل وقضاء وقت ممتع برفقة الأصدقاء وغيرها من الأمور الأخرى ذات أهمية ثانوية.

 

لكن مع جائحة كورونا وفي ظل نظام التعليم عن بعد الذي أقرته وزارة التعليم السعودي حديثا والذي لم يتلقى المعلم التدريب الكافي عليه ولم يتعود عليه حيث أنه يختلف تماما عن التعليم التقليدي بالمدارس العامة على كثير من المعلمين والمعلمات يزداد الأمر صعوبة لديهم في ضبط بوصلة انتباه الطالب ومحاولة عدم شروده الذهني أثناء إلقاء الدرس الإلكتروني في منصة تيمز (Microsoft Teams). وهذا بطبيعة الحال ينطبق على الطالب الذي لم يستوعب بعد الاستيعاب التام بأهمية استخدام الأجهزة الذكية (الحاسوب، الهواتف النقالة، الشاشات الذكية، الآيباد، وغيرها) في التعليم عن بعد. لكن مع الأسف أغلب أبنائنا الطلاب يتصورن أن هذه الأجهزة تستخدم للعب أو اللهو واستجلاب المتعة والترفيه. لذلك من المهم على المربي التدرج في تغيير المفهوم النمطي القديم في استخدام هذه التكنولوجيا الذكية لديهم.

 

وفي هذا الصدد أحببت أن أسلط الضوء على بعضٍ من أهم المؤشرات التي من خلالها يتمكن المعلم من التعرف على وجود مشكلة التشتت أو الشرود الذهني لدى الطالب أثناء الحصة الدراسية في منصة التعليم عن بعد وذلك على مستوى الحد الأدنى من الوضع الطبيعي لجميع الطلاب:

 

أولاً: التأكد من عدم وجود مشاكل خلقية (عضوية) لدى الطالب ربما يعاني منها كضعف النظر أو السمع. إذ أن هذه المعوقات تعتبر من أهم الركائز التي يعتمد عليها الطالب في التعليم عن بعد، وإذا كان يواجه إحداها فبدون أدنى شك ستسبب له تشتت وعدم قابلية للتعلم مما يؤدي إلى انعدام الدافعية لديه. ويتمكن المعلم من معرفة هذه المشكلة بكل سهولة من خلال التحدث مع الطالب وقياس مدى تأثره بالصور ومقاطع الفيديو المعروضة وفهم المحتوى ومتابعة تسلسل الأفكار المطروحة أثناء الشرح. إذا كان يعاني من إحداها فلابد أن يتحدث بشكل صريح مع إدارة المدرسة متمثلة بالمرشد الطلابي لتوجيه أولياء الأمور لمساعدة الطالب من خلال فحص النظر أو السمع والتأكد من حالته الصحية ومعالجتها بصورة سريعة إذا وجدت لا سمح الله.

 

ثانياً: التغذية السليمة الصحية. فالطفل في المراحل الدراسية يحتاج إلى تغذية جيدة (طعام غير ضار) من أجل التفاعل مع المعلم والحصول على أكبر قدر من الفائدة إذ يحتاج الطاقة من أجل تدفق الدم وتنشيط الدورة الدموية بالجسم وحيث أن نقص الفيتامينات الضرورية كـ (الحديد والزنك) التي تساعد المخ على إنتاج الخلايا اللازمة من أجل عمليات التعلم وتخزينها في الدماغ. ويحق للمربي أن يصارح طلابه بكل شفافية ووضوح ما إذا كان قد تناول طعامه في وقته وبشكل جيد فهذا قد يزيد من حب الطالب للمادة ويزيد اهتمامه لها كون المعلم يهتم بصحته.

 

ثالثاً: عدم النوم الكافي والسهر ليلاً من أهم المؤشرات على عدم القدرة على التركيز والانتباه المباشر لشرح المعلم. فلابد أن يحرص الأستاذ على متابعة طلابه والتأكيد على النوم الجيد وبالمقدار الكافي قبل دخول الحصة وذلك من أجل استيعاب المادة بشكل أفضل.

 

رابعاً: ألا يكون الطالب في أجواء غير مناسبة للتعلم كالضوضاء والموسيقى والبيئة التي لا تساعده على التركيز الجيد أثناء شرح الأستاذ. مما يجعله عرضه للشرود والتشتت. إذا لاحظ المعلم وجود فوضى وإزعاج أثناء تأديته للحصة الالكترونية. يستطيع أن يأمره للذهاب إلى مكان أكثر هدوء وانسجام.

 

خامسًا: الطالب كثير الإزعاج والحركة والتعليق على أشياء ليست لها صلة بالدرس , وذلك يرجع لعدم قدرته على التركيز لفترة طويلة مما يجعلة يفقد الصبر سريعا. يحرص المعلم على وضع قوانين صارمة للطلاب المزعجين ومحاولة عدم التهاون معهم في هذا الأمر كما أن  بعض المحفزات الإيجابية تلعب دورا مهما مع الطالب للحرص والاهتمام بالمادة والشرح ولا ضير في  التحدث مع أولياء الأمور من أجل متابعته وعدم تركه لوحده أثناء الحصة عن بعد.

 

سادسا: الطالب ذو الشرود الذهني يرغب دائما في الانتهاء بسرعة من المهام ولا يتبع التعليمات الموكلة له حتى لو تم تكرارها من قبل المربي والتأكيد عليها. لكن مع متابعته بشكل فردي ومباشر للتأكد من صب تركيزه عليه وعدم الخروج من المنصة قبل الانتهاء من المهام المطلوبة منه.

 

سابعا: يستطيع المربي توجية الأسئلة المباشرة للطالب ويكتشف مقدار التفاعل بينه وبين الطالب أثناء الحصة التفاعلية. إذا كانت إجابته سريعة وعشوائية بدون تفكير فقد يعاني من التشتت ويرغب في التهرب من التفكير بأسرع وقت ممكن.

 

ثامنا: من الأمور التي قد تكون سبب رئيس للشرود الذهني والتشتت هو عدم قدرة الطالب على التعامل أو استخدام خصائص المنصة الإلكترونية في الوقت والمكان المناسب مثلا: كيف يُسمح له بالحديث؟ كيف يرسل الواجبات؟ كيف يشارك مع زملائه؟ كيف يسأل المعلم؟ كيف يدخل الحصة؟ وكيف يخرج منها؟ وغيرها الكثير..

 

هناك الكثير من المؤشرات  التي من خلالها يتمكن المهتم أو المربي من مقياس مقدار الشرود الذهني والتشتت لدى الطالب والتقاعس عن حل الواجبات والفروض المنزلية ومحاولة اختلاق الأعذار الواهية والتملص من تنفيذ الواجبات .وكثرة الوقوع في أخطاء متكررة وفي فترة زمنية قصيرة بينهم وأيضا يمكننا القول أن كثرة الكم الهائل من المعلومات التي يتلقاها المتعلم في مختلف المواد الدراسية في اليوم الواحد وصعوبة المادة التي تدرس تجعلها غير ممتعة مما تسبب انعداماً للدافعية نحو التعلم.

 

يجدر بالذكر أهمية ضبط الفصل الدراسي الإلكتروني لما له من تأثير على مدى دافعية الطالب للتعلم وعدم تشتيته وهروبه من الحصة الإلكترونية والشعور بالملل والإحباط أثناء الإنصات ومحاولة متابعة المعلم، وتكافىء الفرص في المشاركة والحديث بين جميع اقرأنه.

 

المراجع:

-التركيز للمؤلف سام هورن  ترجمة الدكتور ابراهيم العقيد

-مصيدة التشتت للمؤلف فرانسيس بووث

-أضطراب قصورالأنتباه المصحوب بالنشاط الزائد للمؤلف الدكتور عبدالرحمن سيد سليمان

 

الصورة من: brainhealthback.com

 

كتابة:

محمد بن إبراهيم البوصبيح

 

مواضيع مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المواضيع

قائمة المحررين

الأكثر تعليقاً

فيديو