مرشد سياحي

الضرب الداخلي

الضرب الداخلي
كتابة: منيرة القحطاني

أعلم يقيناً بأنك عندما قرأت “داخلي” أحسست أو مرّت عليك كل تلك المشاعر المؤذية التي قد أصابتك.

 

 لا أتكلم عنها إجمالا ً بل على سبيل الحصر أود منك أن تراجع معي تلك التي كان سببها الآخرون، الذين ضربوك لساناً لا يداً.

 

فقد ينجم أثر عن الضرب باليد وقد يدوم لفترة أو يبقى للأبد لكن لن يستمر ذات الألم الذي كان في البداية، بينما ضرب المشاعر بالكلام البذيء والسب والشتم والتجريح قد يدوم طويلاً ويبقى أثره لبقية حياة الفرد وقد يكون له تأثير سلبي كبير على الشخصية.

 

فعندما أعنّف ابني فأنا أزرع في المجتمع روحاً خائفة مترددة. وعندما أستشيط غضباً وأتحدث بألفاظ بذيئة على العاملة في المنزل أو السائق فأنا أزرع في منزلي روحاً غاضبة وناقمة وقد أدفع ثمن ذلك في ابنائي وما أملك. وعندما استخدم سُلطتي كقائد في العمل وأقوم بإهانة موظفيّ، فأنا أزرع بذلك روحاً كارهةً ويداً لا ترغب في العمل.

 

وكم شاهدنا وقرأنا عن أشخاص مشهورين وأعلام معروفين في المجتمع وأصدقاء وأقارب تعرضوا لنقد سلبي واحد لامس دواخلهم، نُسف فيهم ذاك الطموح والشغف. ونحن كمسلمين لنا مثال عظيم نحتذي به، فنبينا ومعلمنا كان أكبر دليل على التعامل اللين والخلق الحسن. قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]. وقد قال لنا رسولنا الكريم أمراً هو منهج المسلم كما ورد في الحديث الشريف عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلِمَ المسلمون من لسانه ويده).

 

لا أقول بأن تصبح شخصاً منافقاً ومجاملاً، بل كن واضحاً وصريحاً ولكن بلطف وبلا تجريح، كن موجهاً ومُعيناً. ولا تنهج منهج بعض الأشخاص الذين يعتقدون أن القوة تكون في اللسان السليط وأنه عندما يطعّم حديثه بكلمات بذيئة من سبٍ ولعنٍ وشتمٍ سيجعل الآخرين بذلك يقتربون منه ويهابونه، بل على العكس سيتحاشونه ويتحاشون الحديث معه وقد يجاملونه ويسايرونه ليتفادوا غضبه وحديثه عنهم بسخرية وإهانة فقط.

 

فليس امتيازاً أن تكون بذيء اللسان وليست جدارةً أنك حصلت على المنصب، وليس بيدك وإنما هو رزقٌ لك بأن أعطاك الله البنون والمال والخدم. والأمر ليس متعلقاً فقط بمن هم تحت يدك وإنما أيضاً سمعتك والتي هي بيد الناس، وبما أن الإنسان مرآة أخيه، كيف ستُنقل صورتك وألفاظك وأسلوبك، هل تتوقع بأنه سيبقى معك أحد؟ أو هل سيقترب منك أحد إن علم بمكنونات شخصيتك وجوهر أسلوبك؟

 

وإن قلتَ بأنه أمرٌ ليس بيدي أو أنك تريد أن تتغير ولكن فات الأوان، فهو حقاً لم يفت بل بدأ الآن منذ اللحظة التي صحى فيها ضميرك وأيقنت فظاعة ما قمت به فهناك دائما مدربون اكفاء ودورات تدريبية ستساعدك وتحسن من أسلوبك وعاداتك.

 

فهناك فرق بين النقد البناء والسلبي الذي يهدم الشغف في الآخرين، وهناك فرق بين أن تكون حريصاً وتحب النظام والدقة في العمل وبين أن تكون غاضباً ومتحكماً. لأن الندم لن ينفعك والاعتذارات لن تشفي جروح أولئك الذين تأذوا بسببك فهي ستصبح كقبلة اعتذار على جبين ميت.

 

والأسوأ من ذلك كيف لك أن تتحمل تأنيب الضمير عندما تعلم بأن شخصاً تحطم بالكامل وتوقف عن حبه للحياة بسبب لحظة كنت فيها تتلذذ بالسخرية عليه فاتلاً عضلات لسانك وزاهياً بنفسك وانجازك في هدمه! هل ستمحو تلك الكلمات؟ وهل تستطيع أن تستبدلها بعد فوات الأوان؟

 

لذا احرص على أن تدور نقاشاتك مع الآخرين في جوٍ يسوده التلطف والاحترام، مبتعداً عن الكلام الجارح والبذيء ودرب نفسك أكثر لتكون بذلك ممتثلاً لأمر ربك ومقتدياً برسولك. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21].

 

واجعل نُصب عينيك دائماً أن لكل فعل ردة فعل وأن لكلا الأسلوبين نتائج، فإن كنت راقياً بأسلوبك ستكون شخصاً محبوباً ومرغوباً به، وإن كنت بذيء اللسان، تضرب مشاعر الآخرين بتلك الألفاظ والأسلوب الحاد، فإنك ستكون شخصاً مكروهاً يتجنبه الآخرون ويبتعدون عنه. فالنفس تنجذب للكلمة الطيبة وتستمتع بالحديث الشيق لا تنجذب للشتم والسب في الحديث والاسلوب الفظ. وتذكر أن بيدك أن تخلق أرواحاً جميلة مليئة ببساتين الورد وبيدك أيضاً تستطيع أن تضرم ناراً تتّقد وقد تكون أول من يحترق فيها.

 

فالضرب عبارة عن عملية تكرار للجمع، فكلما ضربت أكثر سيزداد الأثر وكلما زاد الأثر كلما فاق الاحتمال للدرجة التي سيظهر حاصل جمع ذلك الألم كله وذلك الحقد، والكره المكبوت ولك أن تتخيل كيف سيكون ثوران ذلك .

 

وقد أخبرنا رسولنا أن خاتمة ذلك كله قد تكون كما ورد في الحديث، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يُقضَى ما عليه، أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار).

 

والخيار النهائي يعود لك.

 

Image by mohamed Hassan from Pixabay

 

 

24 تعليقات

مواضيع مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

24 التعليقات

  • محمد السحاري
    يونيو 8, 2022, 5:52 ص

    رائعة أستاذة منيرة في عرضك وتسلسلك المنطقي وحرفية عالية في ربط الرياضيات بواقع حياتنا اليومية

    الرد
  • نجلاء
    يونيو 8, 2022, 7:16 ص

    جزاك الله خير الجزاء

    الرد
  • مفلح الردادي
    يونيو 8, 2022, 8:50 ص

    أبدعتِ استاذة منيرة وصف رائع وربط جميل بين الرياضيات والحياة
    متميزة كعادتك وفقك الله وسدد خطاك ونفع بك

    الرد
  • مانع سعد النهاري
    يونيو 8, 2022, 1:02 م

    ابدعتي اختي الغالية كلام في الصميم بإسلوب راقي

    الرد
  • مانع بن سعد النهاري
    يونيو 8, 2022, 1:10 م

    أبدعت أختي الغالية كلأم في الصميم بأسلوب راقي

    الرد

آخر المواضيع

قائمة المحررين

الأكثر تعليقاً

فيديو