مرشد سياحي
Ipsef

توطين أندية القراءة في المدارس

توطين أندية القراءة في المدارس
كتابة: سلطان سليم المنصوري

هل جميع ممارساتنا خاضعة للتنظيم والتخطيط المستقبلي؟ أم أنها تحدث من أجل أحداثٍ وقتية ثم تختفي؟ هل نعمل ونكوّن الفرق ونستهلك الوقت والجهد من أجل مسابقة أم من أجل بناء سلوك إيجابي، تكوين عادة مستدامة، وغرس قيمة؟

 

هذه الأسئلة صاحبتني وأنا أفكر في مسابقات القراءة من حولنا، المبنية على تحدٍ في قراءة أكبر عدد من الصفحات، وتحويل القراءة إلى عمل تنافسي ماراثوني دون تعزيز قيمة الحاجة المعرفية للقراءة لدى هذه الأجيال؛ دون غرس أهمية القراءة، وتبيين أثرها في بناء الشخص وتطوير المجتمع. لم تحظ القراءة بفرصة لتشويهها – على مر التاريخ – كما يحدث الآن في عدد من المسابقات والممارسات التي تهتم بالأرقام، رغم حسن نية القائمين على تلك الفعاليات في ربط النشء بالقراءة إلا أن الجري والبحث عن “العدد” لا يقترن بفعل القراءة الصحيح والمطلوب للتنمية.

 

تشير تلك الأرقام التي أعلن عنها “مؤشر القراءة العربي، 2016” إلى أن هناك “أكثر من (148) ألف مواطن من كافة الدول العربية، ومن مختلف الفئات، منهم ما يقارب (61 ألف) طالب وطالبة من مختلف المراحل التعليمية، وما يقارب (88 ألف) من غير الطلبة شاركوا في مؤشر القراءة العربي باعتبار أنهم يقرأون ما بين عشرة كتب و28 كتاباً سنوياً، أي بمعدل يقارب 16 كتاباً في السنة، ولوحظ ارتفاع الميل إلى القراءة الإلكترونية على القراءة الورقية بمعدل 19،45 ساعة قراءة إلكترونية مقابل 16ساعة قراءة ورقية”.

 

تلك البيانات التي أعلن عنها مؤشر الأرقام العربي تعزز الحاجة إلى توطين الممارسات القرائية في المجتمع، بعيداً عن الأحداث الاستهلاكية المبنية على التنافسية المؤقتة دون استدامة المعرفة والفائدة. ولعل التوطين يأتِ على هيئة أندية للقراءة في المدارس، في أندية الحي، في المكتبات العامة، أو في مقر الإدارات الرئيسة وتحويل القراءة إلى فعل يومي، وممارسة حقيقية تشجع الآخرين على الاهتمام ببنائهم المعرفي الجاد، والتخفف من عبء ما تنقله وسائل التواصل الاجتماعي من معلومات تنال حيزاً من العقل دون فائدة.

 

وكما يشير أنطوان أبو زيد (مايو، 2022) في اندبندنت عربية إلى أن “كثيراً من المبادرات الرسمية والأهلية، في كل البلدان العربية، مطلوب إنجازها في سبيل تيسير القراءة وجعلها شأناً داخلاً في صميم تكوين المواطن الواعي والمنفتح والمنتج مثل: دعم النشر، وتوفير المزيد من المكتبات العامة، وتشجيع المبادرات المحلية، ومضاعفة المواقع الحاملة نصوصاً ذات قيمة، وغيرها ليكون منسوب القراءة في العالم العربي إلى ارتفاع كبير ومطرد”. وهنا يكون البناء بشكل توسعي، فمن نادِ القراءة بالمدرسة، إلى نادِ للقراءة بالحي، ثم أندية القراءة في المقاهي والمدينة بشكل عام، وجميعها تعزز من الصورة الذهنية لمجتمع معرفي، وتشارك في بناء الوعي الجمعي بأهمية استثمار الوقت، والقراءة لتكوين مجتمع قرائي متطور يشارك في بناء وطنه.

 

ووفقاً للدراسة التحليلية لتفضيلات جيل ما بعد الألفيّة (Z) للفعاليات الثقافية الذي أصدرته وزارة الثقافة (2022) بعنوان “مزامنة جيل ما بعد الألفية” تتضح أن القراءة تأتِ ضمن أنشطة التعلم التي يمارسها هذا الجيل – أقل من 25 سنة – ويرغب في الحضور والمشاركة بمجموعات القراءة. ومع الانتباه إلى ما يقصده هذا الجيل بمجموعات القراءة، تظهر الرغبة التشاركية الاجتماعية في ممارسة القراءة لدى جيل ما بعد الألفية، وتحويلها إلى عمل تشاركي تشجيعي.

 

لكن أندية القراءة يجب ألا يكون استحداثها هو المطلوب بحد ذاته، بل التخطيط لها بشكل صحيح، وتنظيم مسارها كي لا تتحول إلى نموذج “استراحات” لهدر وقت وتشويه فكرة ثقافية مجتمعية. وهذا ما أكد عليه كتاب “Reading by Right” بتحرير من “Joy Court” الذي شدد على أنه “يجب تخطيط محتوى نادي القراءة ليكون ممتعًا وملهمًا وآمنًا ومفيدًا للجميع، الذين قد يكون لديهم مجموعة من أنواع مشاكل القراءة المختلفة. هذه ليست مهمة سهلة، نحن نعترف بذلك!”.

 

إن صناعة أندية للقراءة تنطلق من المدارس وتغذي كل المدن والمناطق، تمنح هذا الجيل المهارات اللغوية، والبنية المعرفية، وتحافظ على وقته من الهدر، وعلى سلامته الفكرية والجسدية من التشوّه والانحراف، بل تجعل منه مواطناً قادراً على المساهمة في بناء الوعي، وتحقيق الرؤية للوطن؛ فهيا نقرأ.  

 

 

كتابة: سلطان سليم المنصوري

 

 

الصور من حساب: معرض الرياض الدولي للكتاب 2017 على منصة تويتر

مواضيع مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المواضيع

قائمة المحررين

الأكثر تعليقاً

فيديو