مرشد سياحي
Ipsef

ثقافة الانتماء للمدرسة وقوّة تأثيرها

ثقافة الانتماء للمدرسة وقوّة تأثيرها
كتابة: نورا خالد العتيبي

يعرّف قودنيو (١٩٩٣) الانتماء في بيئات التعليم بأنه: شعور الطالب بالقبول والتقدير والاندماج والتشجيع من قِبل الآخرين (المعلمين والزملاء) في البيئة الأكاديمية، والإحساس بأنه جزء مهم في أنشطة الفصل.

 

ويتضمن الانتماء مشاعر التفهّم والاحترام والتواصل والأهمية والمشاركة التي يشعر بها الطالب داخل المجتمع المدرسي. وبالرغم من اختلاف وتعدد الطرق التي عُرِّف بها الانتماء، إلا أن عديداً من العلماء يتفقون على أن الشعور بالانتماء أمر بالغ الأهمية للتحفيز الأكاديمي للطلاب، ولأجل نجاحهم وصحتهم النفسية (أوسترمان، ٢٠٠٠).

 

يخبرنا العلم أن حاجتنا للانتماء والتواصل هي حاجة بيولوجية نتوارثها عبر جيناتنا منذ الأزل، حيث يسعى البشر بشكل عام والمراهقون على وجه الخصوص نحو تكوين روابط اجتماعية قوية، ويدركون قيمة القبول والاهتمام والدعم من الآخرين. وفي المجتمع المدرسي، يمنح شعور الانتماء لدى الطلاب إحساسا بالأمان والهوية، مما يدعم بدوره التطور الأكاديمي والنفسي والاجتماعي لدى الطالب (جيثواني وكيسر، ٢٠٠٨).

 

ونلاحظ في هرم ماسلو للاحتياجات والذي يعتبر إحدى النظريات المهمة في علم النفس أن الحاجة للانتماء تُعّد جزءا رئيسيا من الاحتياجات التي تحفّز السلوك البشري. وتكمن الحاجة للانتماء والحب والعلاقات في مركز الهرم بين الحاجات الأساسية وحاجات النمو والتطوّر، كأحد أشكال الاحتياجات الاجتماعية.

 

لماذا يحتاج الطلاب للشعور بالانتماء داخل المدرسة؟

يرى باتيستيك وآخرون (١٩٩٣) أن المراهقين الذين يشعرون بأنهم جزء من المجتمع المدرسي يقدّمون أداءا أكاديميا أفضل، وهم الأكثر حماسة داخل المدرسة.

 

كما تذكر دراسة لكاتالانو وآخرون (٢٠٠٤) أنه عندما يشعر الأطفال والمراهقون بالارتباط بالمدرسة فإنهم يكونوا أقل عرضة للانخراط في السلوكيات المحفوفة بالمخاطر والمعادية للمجتمع. كما أن الطلاب الذين لديهم روابط اجتماعية قوية هم الأقل عرضة للتسرب من التعليم وعدم العودة أبدًا (لي وآخرون، ٢٠٠٧). علاوة على ذلك، فإن غياب الشعور بالترابط والتواصل داخل المدرسة بالنسبة للمراهقين هي مرحلة تسبق الاكتئاب (شوشيت، وآخرون، ٢٠٠٦).

 

ويمكننا تلخيص أهمية الشعور بالانتماء في هذه النقاط:

 

أولاً: مرتبط بالنجاح الأكاديمي والدافعية نحو الإنجاز:

حيث تشير الأبحاث إلى أن الشعور بالانتماء يرتبط ارتباطًا إيجابيًا بالنجاح الأكاديمي والدافعية (فريمان، وآخرون، ٢٠٠٧). فالطالب الذي يبني علاقات جيدة مع مجتمعه المدرسي ويشعر بقبول معلميه وزملائه له ترتفع ثقته بنفسه وفرصه في النجاح تصبح أعلى.

 

ثانياً: يؤثر على الصحة النفسية للطلاب:

فقد كشفت دراسة أجريت عام ٢٠٢٠ على طلاب الجامعات وجود علاقة إيجابية بين الشعور بالانتماء وزيادة السعادة والرفاهية العامة، فضلا عن انخفاض عام في مستويات القلق والكآبة واليأس والشعور بالوحدة والقلق الاجتماعي والأفكار الانتحارية. كما خلصت بعض الدراسات التجريبية إلى وجود نتائج نفسية إيجابية لدى من يشعر بالانتماء للمدرسة والحرم الجامعي، بما في ذلك مشاعر تقدير

الذات والقبول الاجتماعي (ويلسون، وآخرون، ٢٠١٥).

 

كيف أعزز شعور الانتماء للمدرسة لدى الطلاب؟!

مثلما يقال دائما “مقاس واحد لا يناسب الجميع” إذ لا يوجد إطار عمل ثابت وموحّد يمكن تطبيقه على كل المدارس وبيئات التعلم. ولا توجد استراتيجيات محددة لتنفيذها مع جميع الطلاب. لذا ينبغي النظر للسياقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها قبل تحديد الاستراتيجية المناسبة للتنفيذ. مع إدراك مفهوم “الشعور بالانتماء” والوعي بأهداف تنمية ذلك الشعور وأهميته للطالب وتأثيره على الأداء الأكاديمي والشخصي للطلاب.

تتيح الأبحاث والمقالات التربوية مواردا تعليمية متنوعة لمن يحتاجها من المعلمين والقادة التربويين لتعزيز شعور الانتماء بين المجتمع المدرسي والعمل بطريقة منظمّة وواضحة. إذ تقترح الباحثة التربوية كيلي آلين من جامعة موناش مجموعة من الاستراتيجيات للبدء في خلق هذه الثقافة داخل بيئة التعلم:

 

أ. تشجيع العلاقات الإيجابية مع المعلمين وطاقم المدرسة:

ينبغي لكل طالب أن يكون لديه داخل المدرسة شخص بالغ واحد على الأقل لدعمه ومساعدته. شخص يحبّه الطالب ويحترمه، ضمن علاقة آمنة وداعمة أساسها الدعم العاطفي والأكاديمي.

 

ب. خلق ثقافة إيجابية ل “انتماء الأقران”:

تعّد مجموعات الأقران مهمة داخل المدرسة، حيث يؤثر الأقران ببعضهم البعض على المستويين الأكاديمي والشخصي. فالشعور بالانتماء للمدرسة داخل نفوس الطلاب من عدمه يُعّد أمرًا معديا. فالمدارس التي لديها طلاب يشعرون بالانتماء لها، تخلق ثقافة مدرسية يكون فيها “الانتماء” للمدرسة هو القاعدة التي تعمل وفقها خطط المدرسة وأنشطتها وقيَمها. لذلك تحتاج المدارس إلى قادة داعمين وملهمين يمكنهم توصيل قيمة الانتماء للمدرسة وأهميته للطلاب. وتكون لديهم سياسات داعمة وممارسات معززة لشعور الانتماء للآخرين. ويُفضّل أن يتم البدء بذلك من أول يوم يبدأ به الطلاب المدرسة.

 

وبالطبع فإن تدريس مهارات التعلم الاجتماعي العاطفي SEL يساهم في خلق ثقافة الانتماء. حيث أن تلك المهارات تسمح للطلاب بتطوير وتنمية الوعي بالذات والآخرين.

 

ج. قيمة التعلّم:

كما ذكرنا آنفا فإن الطالب الذين يتمتع بإحساس عال بالانتماء للمدرسة، يثّمن التعلم ولديه دوافع أكاديمية عالية، ويمكنه إدراك قيمة وأهمية ما يتعلمه. ومما يساعد على ذلك، تأكيد المعلمين على أهمية المواد التي يدرّسونها للطلاب والهدف منها. بالإضافة إلى توافر الكفاءة الذاتية لدى المعلمين والثقة والشغف تجاه المحتوى الذي يقومون بتدريسه.

 

د. اتخاذ خطوات استباقية نحو الصحة العقلية:

يجب تشجيع منسوبي المدرسة على النمو المهني المتعلق بالصحة النفسية والالتحاق بالبرامج والدورات التي تزودهم بالمهارات اللازمة لاحتياجات الصحة العقلية والنفسية لهم وللطلاب. وأن يكون لديهم مهارات تحديد المشكلات عند ظهورها، والدراية بالتصرفات المثلى لحلها. وبناء علاقات إيجابية مع الطلاب هو المفتاح! فكلما كان المعلمون على دراية بكل طالب، فإنهم أكثر استعدادا لاكتشاف المشاكل وملاحظة السلوكيات التي تتطلب التدخل مثل الغياب المتكرر والعزلة والتنمر وغيرها.

 

هـ. عدم إغفال دور الوالدين:

يلعب الوالدين دورًا حيويا وهاما في المجتمع المدرسي. إذ أن تصوّراتهم عن التعليم والمعلمين والمدرسة لها تأثير كبير على مواقف أطفالهم وآرائهم واتجاهاتهم نحو المدرسة والتعليم. فالوالد الذي يقدّر المدرسة والعلم والتعلم ويحترم ثقافة المدرسة وأنظمتها، من المرجّح أن يشعر طفله بالانتماء للمدرسة وتكوين علاقات إيجابية مع المجتمع المدرسي، مقارنة بالوالد الذي يتذمر من المدرسة ولديه أحكام مسبقة عن التعليم والمعلمين. لذلك من المهم للمدرسة إبلاغ أولياء الأمور بأهمية الشعور بالانتماء للمدرسة وتأثيره على أطفالهم، والتعاون مع المدرسة لتعزيز الشعور

بالانتماء.

 

إن الدعوة لتعزيز شعور “الانتماء للمدرسة” وخلق ثقافتها داخل المجتمع المدرسي أمر حاسم في ظل الصراعات الثقافية والقيمية والسلوكيات التي نتجت عن التطور التقني الهائل، مما يحتّم علينا جميعًا العمل على احتواء الطالب وتقبّله ودمجه في مجتمعه وبيئته، لنقول له: أنت لست وحدك..نحن معك.

 

المراجع:

https://www.panoramaed.com

https://www.ucl.ac.uk/teaching-learning/publications/2020/apr/creating-sense-belonging-yourstudents

https://www.verywellmind.com/what-is-the-need-to-belong-2795393

https://www.monash.edu/education/teachspace/articles/5-ways-to-boost-students-sense-of-schoolbelonging

https://www.edutopia.org/article/how-school-leaders-can-boost-students-sense-belonging/

 

Image from: freepik.com

 

كتابة: نورا خالد العتيبي

1 تعليق

مواضيع مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

1 التعليق

  • وضحى الشيباني
    فبراير 5, 2023, 6:59 م

    مقال رائع ومفيد من معلمة مبدعه ومتميزه 🌸

    الرد

آخر المواضيع

قائمة المحررين

الأكثر تعليقاً

فيديو