المؤتمر والمعرض التعليمي الرائد في منطقة الشرق الأوسط

مسارات الثانوية العامة لتجويد مخرجات التعلم

مسارات الثانوية العامة لتجويد مخرجات التعلم
هاشم علي الصعب

قبل حوالي عامين وأثناء ابتعاثنا ببرنامج خبرات عن طريق وزارة التعليم كنت مع بعض الزملاء نجتمع مساء بصفة شبه يومية نناقش تقارير نقل الأثر التي كنا ننشرها بصفة مستمرة عن التعليم النيوزيلندي، حيث كانت بعثتنا عن مشاهداتنا من خلال المعايشة بالمدارس هناك.

 

أحد أبرز المشاهدات التي لفتت انتباهنا هي “المسارات التدريسية” وتعدد هذه المسارات في المدارس الثانوية بنيوزيلندا واعتمادها على مبدأ التعليم التطبيقي. أذكر أننا نشرنا تقريرا حولها متضمنا تساؤلا: “هل يمكن أن يكون لدينا في مدارسنا مثل هذه المسارات؟” ولذلك فإن أبرز ما شدني خلال القرارات التطويرية التي اعتمدتها وزارة التعليم مؤخرا هو إقرار المسارات التدريسية للمرحلة الثانوية والذي تكمن أهميته في رفع كفاءة المدرسة وتجويد مخرجاتها.

 

في التعريف بهذه المسارات أخذنا مسؤول مدرسة “ماونت ألبرت” التي كنت أقضي فيها فترة المعايشة إلى الأقسام الرئيسية التي يدرس بها حوالي 3000 طالب تضمهم هذه المدرسة. تنقّل بنا بين هذه المسارات بدءا من قسم للمواد التقنية حيث يدرس الطلاب مواد مثل تصميم التواصل البصري والمونتاج والتصميم المعماري إلى أقسام أخرى تدرّس الكهرباء والنجارة واللحام ثم قسم للإعلام والإخراج التلفزيوني، ثم أخذنا إلى مبنى مخصص لدراسة مواد في السياحة والفندقة ثم إلى بعض الأقسام التي تدرس مواد نظرية مثل ألأدب الإنجليزي والدراسات الاجتماعية والمحاسبة والمواد التجارية والإدارية والرياضيات. بالإضافة إلى الأكاديمية الرياضية الموجودة بالمدرسة المزودة بطواقم متخصصة وبنية تحتية وملاعب مجهزة ثم انتهينا بقسم متخصص في المواد الزراعية والبيطرية.

 

يتم توزيع الطلاب على هذه المسارات بحسب ميولهم ورغباتهم وبحسب درجاتهم في السنة التي قبلها. على أن تكون هناك ثلاثة مواد إجبارية، وبقية المواد التي يدرسها الطالب اختيارية. يتم تدريس هذه المواد بشكل يوفر حلقة الوصل المفقودة بين المواد النظرية والتعلم المهني والحرفي ويستغل كل إمكانات الطالب المهارية والذهنية وفي معامل وقاعات متخصصة وفي بيئة حركية حيوية تتيح للطالب تعلم المهارات الحياتية اللازمة لسوق العمل وفي بيئة عمل جماعية حقيقية تكسبه مهارات التواصل مع من حوله.

 

تشجع هذه المسارات الإبداع والابتكار لدى الطالب بشكل قد لا يتوفر في المسارات التقليدية كما تأخذه من تداول معارف موجودة مسبقا بين أغلفة الكتب الى اكتساب معارف ومهارات جديدة تتعلق بمستقبله المهني.

 

التركيز في هذه المسارات والمواد ليس منصبا على درجات يتحصل عليها الطالب في اختبارات نهائية بل على اكتساب مهارات حياتية للمستقبل، كما تكمن قيمة هذه المسارات في تعزيز قدرة الطالب على مواجهة المواقف الحياتية المختلفة وتعزيز مهارات التفكير الناقد والتخطيط ومهارة حل المشكلات.

 

تساعد هذه المسارات على زيادة ثقة الطالب بنفسه وعلى زيادة دافعيته تجاه المدرسة وانتماءه لها وتزيد من جاذبية بيئة التعلم التي يأتي إليها الطلاب بكل مداركهم ورغباتهم، كما تعزز مهارات الاتصال لدى الطلاب والقدرة على العمل الجماعي والتكيف مع بيئات العمل المختلفة وتعزز من قدرتهم على التنظيم وإدارة الوقت.

 

وحتى تتحقق الفائدة من تطبيق هذه المسارات، وحتى يتسنى للمدرسة تدريس أكبر حزمة من هذه المسارات، يجب تهيئة بيئة المدرسة بشكل يتناسب مع هذه المسارات سواء من ناحية البنية التحتية من توفير المعامل والقاعات الدراسية المناسبة أو من ناحية تدريب المعلمين على المواد الجديدة. كما يجب أن يرتكز قرار تدريس أي مسار من المسارات إلى حاجة سوق العمل وملائمته لحاجة المجتمع المحيط بالمدرسة من الوظائف المستقبلية.

 

إقرار هذه المسارات في مدارسنا للمرحلة الثانوية يشكل نقلة نوعية في سبيل تجويد مخرجات المدرسة وسيكون له أثر في خفض مستوى البطالة بالبلد لأن دفعات كبيرة من الشباب المؤهل سيكونون جاهزين لسوق العمل بمجرد تخرجهم من المدرسة الثانوية. كما أنه يساعد الطلاب على تحديد ميولهم المستقبلية منذ وقت مبكر، وبالتالي خفض سنوات الدراسة التي يحتاجها الطالب لدراسة تخصص معين وتخفيض نسبة تسرب الطلاب من الجامعات والكليات.

 

ومع أن هذه التجربة تحتاج الى وقت طويل حتى تكتمل معالمها وتظهر نتائجها وحتى يتم تهيئة كامل الظروف المادية والبشرية اللازمة لنجاحها، إلاّ أن مجرد إقرارها وتدشينها هو خطوة مهمة في الطريق الصحيح. وهو قرار نوعي نحو تجويد مخرجات التعلم.

 

الصورة من qudaih24

 

مواضيع مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المواضيع

قائمة المحررين

الأكثر تعليقاً

فيديو