هل يستمر التعليم بالنمذجة في ظل التعلم عن بُعد؟

هل يستمر التعليم بالنمذجة في ظل التعلم عن بُعد؟
سلطان سليم المنصوري

من ابن خلدون الذي يرى بأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه إلى ميللر ودولار المهتمين بالتعلم الاجتماعي والمحاكاة، ثم باندورا الذي أسس نظرية التعلم الاجتماعي القائمة على تفاعلات المتعلم مع محيطه وأقرانه ومعلمه، وأن التعلم عملية اجتماعية تفاعلية وليست مجرد عملية معرفية. هذا التوازي بين الفلسفة والعلم في أهمية العلاقات الإنسانية في الحياة والتعليم دليل على أهمية الآخر في تطورنا المعرفي والمهاري والأخلاقي أيضاً.

 

وحيث أن التربية تتأثر بالعلوم الإنسانية والطبيعية، فقد ظهرت العديد من المفاهيم، الاستراتيجيات، والأساليب التعليمية بهدف تطوير المعارف، وتطور المتعلمين. ولعل منها ما هو قائم على استفادة المتعلمين من أدواتهم الإنسانية ومنها الملاحظة. حيث يلاحظ تعامل الآخرين مع الأشياء والبيانات ويمارس نفس الأساليب، أو عن طريق التجربة والمحاولة والخطأ في التعلم. وهذا ما أظهر لنا التعليم بالنمذجة أو الملاحظة أو المحاكاة، وكأنه إبراز للنموذج الذي يحاكيه المتعلم في تفكيره وأساليب تعلمه وحل مشاكله حتى يستقي المعرفة الكاملة منه.

 

مفهوم التعليم بالنمذجة وأنواعه:

“اهتم العديد من علماء النفس بأهمية التقليد والمحاكاة والتفاعل الاجتماعي في حدوث التعلم، وكان من أشهرهم العالم ألبرت باندورا (Bandura) الذي اقترن اسمه بنظرية التعلم الاجتماعي (Social Learning) أو ما يعرف بالتعلم بالملاحظة أو النمذجة (Modeling)، والتي تشير إلى أن معظم سلوك البشر متعلم من خلال الملاحظة سواء بالصدفة أو بالقصد، وأن التعلم لا يتم في فراغ بل في محيط اجتماعي.” (أبولوم، 2021)

 

وعرفه عبيد (2009) على أنه استراتيجية تعليمية لإيصال المعرفة للمتعلمين، إذ يعرض فيها المعلم لهم طرقه وأساليبه في معالجة المعلومات بصوت مرتفع أثناء القيام بالإجراءات من اجل تعلم مهمة معينة والتركيز على إبراز طرق المعلم في التفكير في التعلم والعمل.

 

وهناك عدة مصادر أو أنواع للتعلم بالنمذجة، من أهمها: النمذجة الحية أو المباشرة، والنمذجة المصورة، والنمذجة بالمشاركة. أما النمذجة الحية، فهي التي يقوم فيها النموذج (المعلم) بأداء السلوك أمام المتعلم ولا يطلب من المتعلم تأدية ذلك السلوك، بل يتم الاكتفاء بالمشاهدة المباشرة فقط. وأما النمذجة المصورة، فهي التي يقوم فيها المتعلم بمشاهدة النموذج المطلوب من خلال وسائل الإعلام كالتلفاز، والأفلام، ووسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها. وفي النمذجة بالمشاركة، يقوم المتعلم بمراقبة سلوك النموذج (المعلم) ثم يقوم بتنفيذ ما شاهده ويتم تصحيح سلوكياته وفقًا لذلك. (أبولوم، 2021)

 

 مراحل التعليم بالنمذجة (الملاحظة):

حدد باندورا أربع عمليات متضمنة التعليم بالنمذجة (الملاحظة) كما يلي:

أولاً: الانتباه: أن مجرد وجود نموذج لا يؤثر على الشخص الملاحظ ولا يتضمن حدوث تعلم ما لم ينتبه له هذا الشخص بطريقة ما، فقد يتجاهل الشخص النموذج تماماً ويغفل الخصائص الأساسية لسلوك النموذج وتتأثر عملية الانتباه للنموذج بعوامل كثيرة منها: خصائص كل من النموذج والشخص القائم بالملاحظة ومستوى الدافعية لدى الأخير، والجاذبية المتبادلة من النموذج والشخص، وإدراك كفاءة النموذج وتقبّله ومكانته وقوته الاجتماعية فضلاً عن التشابه في العمر والجنس والمستوى الاجتماعي والاقتصادي.

 

ثانيا: الاحتفاظ: يتضمن الاحتفاظ اختزان استجابات النموذج في ذاكرة المتعلم وذلك عن طريق عمليات الترميز أي على شكل رموز وبخاصة التدوين اللفظي ثم تكرار المعلومات بما يجعل الشخص يحتفظ بها ويستفيد منها فيما بعد.

 

ثالثا: الأداء: عندما يتقبل سلوك النموذج على أنه ملائم بالنسبة له ويرى أنه من المحتمل أن يؤدي إلى نتائج ايجابية فإن الشخص يميل إلى تكرار سلوك النموذج وقد تعمل الصور العقلية والأفكار المكتسبة خلال التعلم بالملاحظة بوصفها منبهات داخلية شبيهة بالمنبهات الخارجية التي يقدمها النموذج.

 

رابعا: الدافعية: لابد من توافر الدافع لأداء الاستجابة المكتسبة وهذا شرط مهم لحدث التعلم بالملاحظة فقد تتوافر شروط: الانتباه والاحتفاظ والأداء ولا تصدر استجابة التعلم نظراً لعدم وجود دافع أو سبب فلا تظهر استجابة كافية لها. (محمد، 2007)

 

مميزات التعليم بالنمذجة:

يرى جوريل وكابرون أن استراتيجية النمذجة المعرفية طريقة قوية لإحداث وتوليد تغيرات دافعية مثل تدعيم الفاعلية الذاتية والإصرار على تحقيق المقاصد والأهداف، كما أن لها تأثيرات في الأداء. ونمذجة المعلم لا تعني مجرد تقليد الطالب للمعلم أو ملاحظته، بل أن يتعلم كيف يفكر المعلم وهو يحل مشكلة ما أو يعبر ويفكر وينظم العمل من ناحية إدارة الوقت المخصص للمهمة التعليمية التي يؤدونها الطلاب. (عبيد، 2007)

 

خطوات إستراتيجية النمذجة المعرفية:

– التهيئة: من حيث توضيح الهدف وربط الدرس الذي سيعرض بالخبرات السابقة والتنبيه ألخطاء قد يقع فيها المتعلم.

– النمذجة بواسطة المعلم: من حيث قيام المعلم بدور “النموذج” يمكن أن يحتذى به الطالب في حل مشكلة معينة أو استيعاب مفهوم معين أو القيام بمهمة تعليمية أي أن المعلم يعرض سلوكياته في ممارسة عمليات التفكير من خلال تعبيرات لفظية بصوت عال عما يدور في ذهنه.

– النمذجة بواسطة الطالب: في هذه الاستراتيجية يقوم أحد الطلاب بدور النموذج ليحل مشكلة أو يناقش موضوعا معبرا بصوت عال وقد يجري تجربة بسيطة أو يرسم بعض التوضيحات إذ أنه يمسرح الموقف أو المهمة التعليمية أمام زملائه، وفي أثناء تناوله الموقف قد يسأل نفسه أو قد يقوم بخطأ في إحدى الخطوات ويدرك ذلك فيستدركه بصوت عال. (جودت وعمران، 2015)

 

 النمذجة في التعلم عن بعد والتعليم الإلكتروني

من أهم التطبيقات التربوية للتعلم بالنمذجة تنمية العادات والقيم والاتجاهات لدى المتعلمين. ويتم ذلك من خلال أن يكون المعلم قدوة لطلابه بممارسة تلك العادات والقيم، ويتم ذلك أيضًا باستخدام نماذج من الطلاب ممن يمارسون تلك العادات والقيم، ويمكن أيضًا استخدام وسائل التواصل الاجتماعي التي تشتمل على مواد إعلامية متعلقة بتلك العادات والتقاليد. ومن التطبيقات التربوية أيضًا تعديل سلوك الطالب، حيث يتم ذلك من خلال إزالة بعض السلوكيات لدى الطلاب عند مشاهدتهم لنماذج قامت بالسلوك وتم معاقبتها، أو نماذج سلوكية إيجابية تم مكافأتها. ومن التطبيقات التربوية المعروفة أيضًا تنمية المهارات الرياضية والفنية والحرفية، حيث يتم ذلك عن طريق استخدام النماذج بأنواعها المختلفة. (أبولوم، 2021)

 

ويمكن أن يتم ذلك في العالم الرقمي، من خلال استخدام الوسائط المتعددة للنماذج الإيجابية كي يتبعها المتعلم، أو بعرض النماذج السلبية وأخطائها وعواقب تلك الأخطاء كي يبتعد عنها المتعلم. وتعزيز القيم في تحفيز المتعلمين على الصدق في أداء الواجبات وعدم الغش ومن ثم متابعة تلك الواجبات عن طريق البرامج التي تكشف نسب الاقتباس أو ملاحظة تكرر الإجابات ونمطها لدى المتعلمين. 

ولا يمكن إغفال أهمية إبراز نموذج المعلم في البحث عن المعارف على الانترنت ومن خلال الأوعية المعلوماتية والتي يتعلم منها المتعلمون الطريقة الصحيحة والخطوات المتبعة للبحث والتنقيب عن المعلومات الثقة غير المضللة.

 

ويبقى السؤال هو العنوان، والجدير بالبحث والدراسة، هل يستمر التعليم بالنمذجة في ظل التعلم عن بعد والتعليم الإلكتروني؟

 

 

المراجع:

أبولوم، أمجد (2021). نظرية التعلم بالنمذجة «الملاحظة والتقليد». صحيفة أخبار الخليج.

جودت، عبدالسلام؛ وعمران، فاضل (2015). أثر استعمال استراتيجية النمذجة المعرفية في التحصيل والتفكير الإبداعي لدى طالبات الصف الثاني المتوسط في مادة الكيمياء. مجلة كلية التربية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانية. (ع23). جامعة بابل.

عبيد، وليم (2009). استراتيجيات التعليم والتعلم في سياق ثقافة الجودة، ط1، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان.

محمد، محمد جاسم (2007). نظريات التعلم. ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع.

 

Image by Marc Thele from Pixabay

 

 

مواضيع مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المواضيع

قائمة المحررين

الأكثر تعليقاً

فيديو