المؤتمر والمعرض التعليمي الرائد في منطقة الشرق الأوسط

علم النفس الإيجابي هل يجعل الأشخاص أكثر سعادة؟

علم النفس الإيجابي هل يجعل الأشخاص أكثر سعادة؟
كتابة: بشائر عبد الله السلمي

هل في وسع علم النفس الإيجابي ان يجعل الأشخاص أكثر سعادة؟

علم النفس الايجابي العلم الذي جاء كتوجه مُضاد لتركيز علم النفس على الاضطرابات النفسية، مما يعني أن علم النفس لم يعد كما كان مقتصراً على دراسة الأمراض والسلوكيات السلبية كالاكتئاب والغضب والتوتر والقلق وغيرها، بل أتى علم النفس الايجابي ليساهم في معرفة كيفية دراسة السلوك الايجابي وتعزيزه لتُصبح حياة الفرد أكثر سعادة وأقرب الى اكتشاف مواطن القوة فيه السؤال هنا: هل تركيز علم النفس على دراسة السلوك الايجابي بوسعه ان يجعل الأشخاص أكثر سعادة؟

 

تستعرض هذه المقالة توضيحاً كمحاولة لتحديد إجابة للسؤال السابق.

إعتقدت خلال ثلاثون عاماً أنني لو كنت جيدا بما فيه الكفاية لجعل إنسان يتخلص من اكتئابه وغضبه وتوتره فإنني سأجعله بذلك سعيداً، ولكن اكتشفت انني لم أتمكن من ذلك، وأن أفضل ما يُمكنني الوصول إليه هو مستوى الصفر فقد كانت حياتهم خاوية، حينها تبيّن لي أن السعادة تختلف تماماً عن معالجة المآسي”. هذا ما قاله د. مارتن سيلجمان رئيس جمعية علماء النفس الأمريكيين في المؤتمر العلمي، حين طُلب منه الحديث عن بداية تفكيره في علم النفس الايجابي ذلك العلم الذي أُسس على يده عام (1998)، نتيجة لتساؤله: “أما من مكان أكبر لعلم النفس الايجابي المرتكز على الراحة الفكرية الدائمة، أي على السعادة؟” (وازي ،2018).

 

انطلاقا من هذا التحوّل في التفكير ظهر علم النفس الإيجابي الذي اهتم بتعزيز القدرات الشخصية كالصمود والصلابة النفسية ومواجهة الضغوط النفسية بالأمل والتفاؤل والطموح وتحسين الرضا عن الحياة وجودتها حتى يتمكن الفرد من العيش بسعادة وهناء.

كما أن منظمة الصحة العالمية في تعريفها الاخير للصحة النفسية ذكرت ان الصحة النفسية لا تعني الخلو من الاضطرابات بينما هي الاستمتاع بالحياة والشعور بالرفاهية وهي مشاعر ايجابية تحمل مؤشرات الصحة النفسية من منظور علم النفس الايجابي.

 

ولتوضيح ذلك نوضح المقصود بمفهوم علم النفس الايجابي، ويقصد به: ” الدراسة العلمية للقوة والفضائل البشرية، حيث يعيد علم النفس الايجابي للشخص العادي القدرة على الاستمتاع بالأعمال التي يقوم بها وتحسين مستواه”. (شيلدون وكينج ،2001، كما ورد في بوعيشه،2019). ويشير سيلجمان إلى أن مواضيع علم النفس الايجابي عديدة منها: السعادة، الرضا عن الحياة، جودة الحياة، الأمل، التفاؤل، مواجهة الضغوط، ويندرج في مجال العلاج جوانب في غاية الأهمية مثل: الشجاعة والمهارات الاجتماعية والعقلانية والاستبصار، والتفاؤل والواقعية، والقدرة على الاستمتاع والتوجه نحو المستقبل، والبحث عن الهدف والفضيلة والإبداع (معمرية ،2011، ص.72، كما ورد في بوعيشه،2019).

 

ومما يُثلج الصدر أن الدراسات النفسية مؤخرًا أصبحت تركز على مكامن القوة النفسية لدى الإنسان كالأمل والسعادة والتفاؤل والطمأنينة والقناعة، ممّا يؤدي إلى الاستقرار النفسي والتغلب على الضغوط النفسية والوصول بالشخص الى الصحة النفسية والسعادة.

وبما أن هذا العلم يضع يده على مواضع الخلل في تفكيرنا وسلوكياتنا فأرى أنه لابد أن يحظى بدعم سخي جدا من الباحثين في الجامعات العربية ليُساعدنا ذلك في فهم أنفسنا جيدا، حتى تمتلئ حياتنا بنفحات التفاؤل والامل التي تعد وقود السعداء في كل مكان.

 

نعم علم النفس الايجابي يجعل الاشخاص أكثر سعادة والدليل على ذلك الكثير من الدراسات التي أدلت لنا بنتائج ايجابية حول فاعلية استخدام أساليب علم النفس الايجابي ومنهجيته في نقل الاشخاص من قاع التوتر والقلق والتعاسة وعدم الشعور بمعنى للحياة إلى قمة السعادة والأمل والايجابية، مثال على ذلك البرنامج الذي قام به إيمري و أندرمان (2020) على طلبة التمريض كونهم من أكثر الأشخاص تعرضا للقلق والتوتر واستنتج من خلال ذلك أن اتباع اساليب علم النفس الايجابي وممارسة الايجابية لتخفيف التوتر أدت إلى نتائج مبهرة في تغيير وجهات النظر لديهم حول ذواتهم وتغيير نظرتهم نحو العالم ومضى بهم نحو حياة ايجابية سعيدة ذات معنى.

 

وهذا بالضبط هو الهدف الرئيسي والمغزى لعلم النفس الايجابي الذي يدور حول تعزيز الصحة النفسية في أبعادها المختلفة المعرفية والوجدانية والسلوكية، وكما يشير بوعيشه (2019) أن سيلجمان وزملاؤه يركزون على مبدأ الاعتراف بمكامن القوة لدى الافراد وثم العمل معهم حتى يتمكنوا من استغلال هذه المنابع من الطاقة والصفات الايجابية، إضافة الى اشعار الفرد بشكل أكبر بأهمية عواطفه الايجابية وعلى رأسها التفاؤل والأمل.

 

يتضح لنا مما سبق الاهداف السامية لعلم النفس الايجابي الذي يركز على تمكين الانسان من العيش حياة مرضية يحقق فيها ما يطمح إليه، ويوظف فيها قدراته بصورة أكبر حتى يصل إلى الرضا عن ذاته وعن الحياة وبالتالي الوصول إلى النجاح والسعادة والرقي بالمجتمع وذلك بتوظيف أفضل الطرق العلمية في التركيز على ما في الانسان من مكامن قوة وفضائل انسانية إيجابية ويؤدي ذلك إلى تحسين أساليب تنشئة وتربية الأبناء لتركز على الدافعية والابداع داخل المدارس والمنازل.

 

فأعتقد أن الفارق بين علاج المأساة وبناء السعادة هو فارق في غاية الأهمية، فعلم النفس الايجابي لا ينصب اهتمامه على الامور السلبية اطلاقا ولكنه في الوقت ذاته يبني جدارا ضد الأمراض النفسية من خلال التركيز على تعليمنا مهارات السعادة والحياة السعيدة ومهارات الارتباط والقدرة على تكوين الشعور بالمعنى الحقيقي للحياة وهذه ثلاثة أمور تختلف تماما عن معالجة المآسي ولكنها تساعدنا على أن نصل للسعادة التي نطمح اليها. ولتفنيد الأمور الثلاثة السابقة فيما يتعلق بمهارات الحياة والحياة السعيدة فإن النتائج التي استنتجها جيمس ووالترز(2020) أحد أمثلة الدراسات الكثيرة التي تبين أن كلما كبر إيمان الشخص بذاته تغيرت نظرته لنفسه ولمن حوله وتحولت إلى نظرة إيجابية ومن ثم شعور بالسعادة حتى مع وجود الظروف الضاغطة و ذلك لأن تركيزه كان منصباً على ميزاته ومهاراته وقدراته والسمات الشخصية الايجابية لديه وليس على التوتر والقلق الذي يعتبر المسبب الأساس لكثير من الاضطرابات النفسية، وعند الحديث عن مهارات الارتباط يقول المثل “أنت الشركة التي تحافظ عليها” فمن المنطقي أنك عندما ترتبط مع المتفائلين فإنك تميل إلى الشعور بالارتياح والسعادة والدعم، ومن ثم الاحساس بالعواطف الايجابية والشعور بأن الحياة ذات معنى حقيقي وجديرة بأن نعيشها .

 

وفي المقابل نجد الكثير من الدراسات التي انتقدت نهج “علم النفس الإيجابي” مثل دراسة ياكوشكو وبلودجيت (2021) حيث تناولت الانعكاسات السلبية لإيجابية علم النفس الإيجابي، وحين نتحدث عن أبرز نقاط النقد التي توجه الى علم النفس الايجابي بشكل عام نجد أنهم ينقدون ” نظرته السلبية للسلبية ” ويقصدون في ذلك أن علم النفس الإيجابي ينظر نظرة سلبية إلى كل السمات الشخصية السلبية أو السيئة التي لا تخلو منها أي شخصية حتى ولو بمستوى بسيط،  وللرد على هذا النقد المنطلق من عدم الفهم الواضح والخلط بين التفكير الايجابي وعلم النفس الايجابي، نبين بأن علم النفس الايجابي لا ينظر بسلبية إلى كل السمات السيئة بل على العكس وعلى سبيل المثال: التشاؤم سمة سلبية، ولكن نجد أن رواد علم النفس الايجابي يرون أهمية وجود توازن في الطريقة التي ننظر بها إلى العالم بمعنى ألا تكن إيجابياً أو سلبياً فقط ويدعون إلى اهمية الموازنة بين التفاؤل والتشاؤم؛ والسبب في ذلك أن التركيز على الامر الايجابي فقط قد يُفقد الشخص القدرة على تقييم المخاطر والتهديدات المحتملة ومن ثم الوصول إلى الاضطراب النفسي، فعلم النفس الايجابي في سبيل الوصول بالشخص إلى السعادة هو يدعو للتفاؤل والتشاؤم والرضا معاً عند البدء بأي أمر وذلك لتفادي شعور الشخص بالإحباط أو الياس وخيبة الأمل .

 

وأخيراً على الصعيد الشخصي جداً بلغ والدي ما يقارب ال 90 عاما هو أحد الاشخاص السعداء دائمي الابتسامة حتى أسميته بطلي السعيد، فسألته يوما ما الذي يجعلك سعيداً؟ وما سر ابتسامتك التي تمدك بالصحة والعافية، فأجابني لقد اكتشفت السر الحقيقي للسعادة يا عزيزتي، ويكمن هذا في أن نعيش اللحظة، وألا نتحسَّر على الماضي، أو نفكِّر في المستقبل، ونجعل كل تركيزنا على مميزاتنا و صفاتنا الجميلة، حتى لا نترك مجالا للتفكير في ما يحزننا او يقلقنا، والسير نحو طموحاتنا وتحديد معنى لحياتنا، فمعظم الناس لا يعيشون الحياة، بل يكتفون بالجري، ويحاولون بلوغ هدفٍ بعيد في الأفق، وفي حرارة الجري تنقطع أنفاسهم ويلهثون فيخسرون رؤية الريف الجميل الهادئ الذي يجتازونه، ثم يكون أول ما يكتشفونه أنهم صاروا مسنين ومنهكين، لقد قررت الجلوس على جانب الطريق وتكديس الكثير من السعادات الصغيرة، ثم قال: باختصار فكري دائما فيما يجعلك سعيدة.

 

فالعلم الذي جُّل تركيزه على تحقيق التوافق النفسي واكتشاف النواحي الايجابية لدى الشخص بمعنى البحث عن مراكز القوة والتميز لديه وتنميتها والتأكيد عليها، هو برأيي علمٌ يقود الاشخاص الى السعادة، وبإتباع هذا المنهج في حياتنا سنفسح المجال لحياة سعيدة وإيجابية.

 

المراجع العربية :

-بوعيشة، امال.(2019). علم النفس الإيجابي وتطبيقاته في الممارسة العيادية. مجلة العلوم الإنسانية، 6(2)، 398-413. 1728-006-002-047.pdf

-الحطاب، بندر. (2014، 13 ديسمبر).حقبة جديدة من علم النفس الإيجابي ] فيديو [. يوتيوب. (4) حقبة جديدة من علم النفس الإيجابي – YouTube

-وازي، طاوس.(2018). التصورات الاجتماعية للصحة النفسية لدى المجتمع الجزائري من منظور علم النفس الإيجابي:دراسة ميدانية. مجلة سلوك، (6)، 79-91 . 2145-000-006-004.pdf

المراجع الأجنبية:

– Emery,A & Anderman,L. H.(2020). Using interpretive phenomenological analysis to advance theory and research in educational psychology. Journal homepage Educational Psychologist. 55(4).220-231. Emery & Anderman (2020).pdf

James,T & Walters,V.(2020). How positive is positive psychology in an enabling  program? Investigating the transformative power of positive psychology for enabling students. Australian Journal of Adult Learning ,60(2).171-189. ContentServer.asp (deepknowledge.io)

Yakushko,O.PhD & Blodgett,E.MS.(2021). Negative Reflections About Positive Psychology: On Constraining the Field to a Focus on Happiness and Personal Achievement. Journal of Humanistic Psychology .61,(1).104-131. 0022167818794551.pdf

 

. Negative Reflections About Positive Psychology: On Constraining the Field to a Focus on Happiness and Personal Achievement (deepknowledge.io)

 

Image from: nicprostszego.wordpress.com

 

كتابة: بشائر عبد الله السلمي

مواضيع مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المواضيع

قائمة المحررين

الأكثر تعليقاً

فيديو