saudistem
EDGEx

“كنت أنضرب ومافيني إلا العافية” هل هذا مبرر لاستمرار أسلوب التربية المتوارث؟

“كنت أنضرب ومافيني إلا العافية” هل هذا مبرر لاستمرار أسلوب التربية المتوارث؟
كتابة: أ. ريم علي آل هواش

تتبنى الكثير من الأسر هذا المبدأ في تربية أطفالها وترى أنه الأكثر جدوى وفعالية في ردع جميع السلوكيات غير السليمة

دون النظر بجدية للأساليب التربوية لا نقول الحديثة ولكن الملائمة للمرحلة العمرية، وعندما نقول ذلك يطرأ للكثير أن ما ينتج عن استخدام هذه الأساليب هو طفل مدلل لا يكترث لأخطائه ويفتقر لاحترام الذات قبل احترامه للآخرين، وهذا الفكر السائد للأسف نجم عن قلة الوعي والاطلاع بالإضافة للصورة المغلوطة التي تم نقلها عن طريق بعض ” الأسر المشهورة” على مواقع التواصل الاجتماعي، وهذا بدوره يؤكد لتلك الأسر أن ” الضرب” واستخدام أساليب العنف “اللفظي” هي مباحة ولا ضرر منها، بل إنهم لا يصنفونها كعنف أساسًا وعلى الأغلب هم لا يقصدون ذلك منها، ومبرر هذا أنهم تعرضوا لذلك من قبل تحت مسمى ” تربية”، وهم بأفضل حال ولا يشكون منها ألمًا ولا وجعًا، وإذا ما جئنا للواقع نرى معظمهم يعاني من عصبية مفرطة لا مبرر لها تجاه كل ما حولهم، وفي أحيانٍ كثيرة قد تتم معاملة الطفل عند أبسط خطأ كوعاء لتفريغ تلك العصبية ظنًا منهم أنهم يُربون، أو شخص متدني في تقدير ذاته يضع نفسه دائمًا على الهامش، وأخرى تعاني من انعدام في الثقة تؤثر فيها كلمة الصغير قبل الكبير، وآخر مهزوز الشخصية يمشي أينما جرفه التيار لا يملك كلمة ولا موقف تجاه أي شيء في حياته، وغيرهم أخرى تشعر دائمًا بالرفض وأنه غير مرحب بها في أي مكان، كل هذا وأنتم بأفضل حال؟.

 

إن هذه المشاكل ماهي إلا تراكم لمشاعر الطفولة التي كانت ترفض ذلك الأسلوب لكنها قُمعت، ومن يدفع ثمنها اليوم؟ أطفالكم مع الأسف، وهذا يُظهر لنا بوضوح أن الأثر ليس بالضرورة أن يكون لحظيًا بل قد يبدأ لاحقًا و يستمر لعقود من الزمن، أي تربية هذه تُهان فيها الذات، وتؤذى منها الروح قبل الجسد؟!، في حين يمكن للتربية السوية أن تفعل عكس ذلك تمامًا، ومن المحزن أيضًا عندما نحاول مناقشة بعض الأهالي حول تلك الطريقة المؤذية نجد أن لديهم إيمانًا أعمى بها، وهذا يبين لنا أن بعض الأشخاص يتبنون أفكارًا و أساليبًا ليس لأنها صحيحة، بل لأنها تشعرهم في أغلب الأحوال بالأمان، فيرفضون مناقشتها، ربما لأنهم اتخذوها كمسكن لآلامهم ومبررًا لتصرفاتهم، نحن لا نلوم الوالدين أبدًا على ماقد تعرضوا له فيما سبق من الزمن، بل ندعوهما لتجنب ذلك كله وعدم الاستمرار في زيادة تلك السلسلة بتوريث ذلك العقل أو الفكر غير التربوي لأبنائهم، كما يجب عليهما أن يفكرا بتمعن ويجلسا بصدق مع نفسيهما لمواجهة كل مشاكلهم من جميع الجوانب والعمل على حلها، حتى يكون بوسعهما تنشئة صغارهما منذ البداية بطريقة سليمة في بيئة صحية.

 

أما في حال أدركت الأسرة أنها وقعت بالفعل في المحظور  باتخاذها “الضرب” كطريقة للتربية واعترفت بذلك الخطأ، فهذه أولى خطوات العودة للطريق الصحيح، والفيصل في هذه المرحلة هو وقتها، فكلما كان ذلك الوعي مبكرًا كلما كان أقل ضررًا على الطفل، وأنفع أثرًا،  ويمكن أن نسمي هذه المرحلة بـ “التربية بأثر رجعي”،  حيث يحاول الوالدين خلالها تدارك التأثيرات السلبية التي ظهرت على أبنائهم نتيجة اتباعهم نهجًا تربويًا قاسيًا، لا يعدو كونه شكلًا من أشكال “العنف المقنّع”، وذلك باتباع ممارسات تربوية مدروسة وإيجابية، قائمة على احترام كيان الطفل، وتقديم كافة الحقوق له، بالإضافة لاتباع طريقة التوجيه الإيجابي بدلاً من العقاب الجسدي أو اللفظي و الإهانة، كما يجب تعزيز ثقته بنفسه، ومنحه الحرية في التعبير عن مشاعره وأفكاره وآرائه، بالإضافة للتركيز على حل المشكلة عوضًا عن الجزاء القاسي، ويجب على الوالدين في هذا الصدد تقديم الاعتذار الصادق لصغارهم عما بدرَ منهم، والاعتراف بالخطأ والإفصاح عن شعورهم بالندم، والسعي بجد لمعالجة ماسبق بتقديم الدعم النفسي والعاطفي، واتباع ما تم ذكره من الممارسات التربوية.

 

وفي ظل حديثنا عن أساليب التربية آنفًا وجب التنويه هنا على ضرورة تطبيق الحزم بطريقة تربوية من قِبل الوالدين، ويتمثل ذلك في وضع القوانين لأطفالهم ومناقشة مبرراتها معهم، فالتربية الملائمة والصحيحة لا تلغي دور الوالدين وكلمتهما وتحجم من أهميتها كما يعتقد الأغلب، حيث يظن البعض أن ذلك الأسلوب يحترم ويهتم بمشاعر الطفل ويغض النظر عن كلماته وأفعاله حتى وإن كانت خاطئة ودور الوالدين يقتصر على إظهار الرفض فقط مع التوسل بعدم التكرار !!!، وهنا يأخذ الموضوع منحًى آخر، فكما للقسوة ما يتبعها من مشاكل وعواقب، فإن للتدليل المفرط وترك الصغار يفعلون ما يريدون بدون ضوابط منطقية وحازمة تبعات أسوأ، ومن هنا يتضح لنا أهمية الوسطية فلا إفراط ولا تفريط، نربي بلين يتخلله حزم، يعرف الطفل منه مايجب أن يفعل وما لا يجب بشخصيةٍ سوية ونفسٍ واثقة وسعيدة ومطمئنة.

 

أخيرًا .. كونوا مربين رحيمين بوعي وحازمين بعطف، وتجنبوا التربية القاسية بكل مسوغاتها، لا تضربوا ولا تصرخوا، وتأكدوا أن الطفل الذي نصرخ في وجهه اليوم، سيصرخ في وجهنا غدًا، فالقسوة لا تُنتج احترامًا، بل تولد تمردًا- كما أشار الدكتور عبد الكريم بكار، وتيقنوا أن الضرب لا يعلّم الطفل شيئًا، بل يعلّمه فقط أن يخاف ممن يضربه- وأوضح ذلك سابقًا الفيلسوف جون لوك.

Image from: freepik.com

كتابة: أ. ريم علي آل هواش

متخصصة في الطفولة المبكرة

مواضيع مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المواضيع

قائمة المحررين

الأكثر تعليقاً

فيديو