العلاقة بين عمر الطفل وتطوّر الدماغ

العلاقة بين عمر الطفل وتطوّر الدماغ
ترجمة: منى الزوين

إن تجارب الطفل الغنية -ابتداءً من اللعب وانتهاءً بالفنون والعلاقات- تشكل دوراً هاماً في تطوير دماغ الطفل.

 

وينبثق هنا هذا السؤال:

ما السبب في كون عمر الطفل بين 2-7 سنوات مهم جداً في تطوير دماغه؟

 

لم يكن أحدأ قادراً على التنبوء أن الطفل ألبرت أنشتاين سيكون ذو إسهامات مؤثرة في العلوم الطبيعية. في الواقع, كان يعاني من تأخر في اللغة لدرجة أثارت قلق والديه الشديد من هذا التأخر ولجوءهم لإستشارة الأطباء. حتى أن شقيقته أقرت أنه كان يعاني من صعوبة في التخاطب مع الآخرين لدرجة جعلتهم يتخوفون بأنه لن يكون قادرا على التعلم أبدا.. ياترى كيف انتقل هذا الطفل من احتمالية التأخر في النمو إلى ألبرت أنشتاين الذي عرفه  كل العالم؟

جزء من إجابة هذا السؤال يعتمد في كون أنشتاين قد استفاد من هديتين من والديه وقت مرضه الذي جعله ملازماً للفراش لمدة عندما كان عمره 5 سنوات. وذلك عندما أعطاه والده بوصلة. حيث أوقد هذا الجهاز الغامض فضوله نحو العلم. كما قامت والدته الموسيقية الموهوبة بإعطائه الكمان ليتعلم العزف. كانت هاتين الهديتين بمثابة بداية تحدي دماغ انشتاين للعلم والكون.

 

إن أدمغة الاطفال تنمو بشكل متسارع على فترات تسمى “الفترات الحاسمة”. تحدث الفترةالأولى في عمر الثانية تقريباً بينما تحدث الثانية في عمر المراهقة. وفي بداية هذه الفترات يتضاعف  عدد “الروابط ” بين خلايا الدماغ العصبية. فالطفل ذو العامين يمتلك ضعف عدد هذه الروابط عند البالغين. 

 

ولأن هذه الروابط الموجودة بين خلايا المخ هي التي يحدث فيها التعلم، فإن قدرة الطفل تتضاعف وتتسارع أكثر من أي مرحلة عمرية أخرى. لذلك فإن التجارب التي يمر بها الطفل في هذه الفترة لها تأثير مستمر على نموّهم وتطورهم.

 

الفترة الحاسمة الأخرى تبدأ من عمر سنتين وتنتهي عند عمر 7 سنوات تقريباً. حيث تتكون أسس التعليم الكلي عند الأطفال. وهناك 4 طرق نستطيع من خلالها زيادة الاستفادة من هذه الفترة الحاسمة، وذلك من خلال: التشجيع على حب التعلم، والتركيز على الاتساع لا العمق، الاهتمام بالذكاء العاطفي، وعدم التعامل مع تعليم الطفل على أنه مجرد مقدمة للتعلم الحقيقي.

 

 

التشجيع على حب التعلم:

لابد أن يستمتع الصغار بعملية التعلم نفسها بدلاً من التركيز على الأداء. فعلى التربويين والوالدين أن يتأكدوا من تحقق جانب المتعة أثناء أداء الأنشطة المتنوعة وتعلم الأشياء الجديدة. كما يجب أن نوضح للأطفال أنه لا بأس من حدوث الأخطاء فهي جزء لا يتجزأ من عملية التعلم.

يتم تأسيس “عقلية النمو” في هذه الفترة، وعقلية النمو هي الاعتقاد بأن المواهب والقدرات قابلة للتطوير عند بذل المجهود الكافي مما يعني أنها ليست ثابتة عند حد معين. ولابد للتربويين أن يتجنبوا تصنيف الأطفال أو استخدام الجمل الشائعة للحديث عن قدراتهم. حتى عبارات المديح مثل قول: أنت ذكي! لأنه سيكون لها تأثير عكسي. عوضاً عن ذلك لابد من التأكيد على الإصرار وتكوين مساحات آمنة أثناء التعلم. سيكتسب الطفل حب التعلم إذا ركزنا على إظهار الحماس للتعلم بدلاً عن التركيز على نتائج عملية التعلم.

 

التركيز على الاتساع لا العمق:

 لتجنب التركيز على النتائج أثناء هذه المرحلة يلزمنا التركيز على اتساع تطور المهارة بدلاً عن عمقها. إن تعريض الأطفال لممارسة أنشطة متنوعة عديدة يضع أسس تطوير المهارات في كافة المجالات. فهذا هو الوقت المناسب جداً لإشغال الأطفال بالموسيقى، القراءة، الفنون، الرياضة، العلوم واللغات.

نوّه ديفيد ايبتسين في كتابه Range أنه يغلب علينا التقليل من وتجاهل أهمية اتساع المهارات. صحيح أنه قد يكون من المجدي أن نركز على الامتياز في أداء كل نشاط في مرحلة ما بحياتنا، إلا أن الأشخاص المتعطشون دائماً لكل شيء في هذا العالم المتسارع بالتغيير هم الأشخاص الأسبق للاستفادة من كل المجالات المختلفة وهم من يفكرون بطرق إبداعية ومجردة. بعبارة أخرى تحتاج مجتمعاتنا أشخاص مهيأون بشكل جيد. التهيئة الجيدة مهمة جداً للأطفال من عمر سنتين إلى 7 سنوات، فأدمغتهم في هذه الأثناء متأهبة لإتقان عدد كبير من المهارات. فهذه “فترة أخذ العينات” كما يسميها “أبتسين” هي الفترة المتكاملة والتي تعد بمثابة نافذة من خلالها يتم تطوير نطاق الطفل. فهناك وقت كافٍ جداً بالمستقبل ليتخصصوا في رفع كفاءاتهم بمهارات معينة.

 

لا للتغاضي عن الذكاء العاطفي:

صحيح أننا نريد أن يتعلم الأطفال أساسيات القراءة والرياضيات وغيرها، لكن هذا لا يعني أن نغض الطرف عن أهمية ذكائهم العاطفي. يجب علينا أن نستغل هذه الفترة المهمة لنوسع مهاراتهم الاجتماعية مثل العمل مع فريق، التعاطف أو الإحساس بالآخرين، اللطف.  

شرح الكاتبين دانييل سيغل وتينا بايني” أهمية تعزيز عواطف الطفل تجاه الآخرين وتفهمه لهم في كتاب The Whole-Brain Child ولأن الإحساس بالآخرين يبدأ بتفهم مشاعرهم فقد اقترح الكاتبين مساعدة الأطفال في تصنيف مشاعرهم مثلاً قول: “أشعر أني حزين” ثم يبدأ يوضح لم هو حزين، مثلاً: أشعر أني حزين لأنك رفضت إعطائي الحلوى” فبمجرد مقدرة الطفل على تصنيف مشاعره سيتمكن التربويين من تشجيعهم على تفهم مشاعر الآخرين.

من طرق تشجيع الطفل على الاهتمام بالآخرين هو إشراكه بأعمال البالغين كالأعمال المنزلية التي تجعل منه شخص مفيد ومراعي لمن هم حوله.

 

لا تتعامل مع تعليم الأطفال على أنه مجرد مقدمة للتعلم الحقيقي:

خلال هذه الفترة الحاسمة تكتسب عقول أدمغة الأطفال المعلومات بشكل فريد من نوعه. فإذا كان تعريفنا للذكاء على أنه القدرة على التعلم فإن الأطفال بين ٢-٧ سنوات هم أذكى مخلوقات الله في الأرض.

أظهرت بعض الأبحاث أن الأطفال بعد هذه الفترة لا يمكنهم تعلم بعض المهارات بنفس قدرتهم على تعلمها أثناءها. على سبيل المثال أظهرت أبحاث أن نطاق تعلم الطفل في هذه المرحلة مناسب جداً لتعلم نماذج لغوية تمكنهم من تعلم لغة ثانية بنفس كفاءة تعلمهم للغتهم الأم. غير أن الطفل عندما يصل عمر ٨، تتناقص كفاءته لتعلم لغة ثانية ولا يمكن للغته الثانية أن تكون بمستوى إتقانه للغة الأم، كما أن نفس الحديث ينطبق على القدرات الموسيقية.

 

من الجدير بالملاحظة أنه لم يقم والدي أنشتاين بتعليمه الفيزياء ذلك المجال الذي أوصله لجوائز نوبل. بل على العكس قام والده بإشراكه في عمله كمهندس، بينما قامت والدته بتسجيله في دروس تعليم العزف على الكمان لأنها أرادت أن يقدّر الموسيقى ويحبها. كلا هذين النشاطين ساهما وبشكل كبير لتحقيق التطور الملحوظ في دماغه.

إن الاعتقاد بأن تعليم الأطفال في هذه المرحلة مجرد مقدمة للتعلم الحقيقي هو أمر مغري، لكن لابد ألا نغفل أن هذه السنوات هي الأهم في حياة الطفل لتعليم أفضل.

المقال الأصلي:

https://www.edutopia.org/article/why-ages-2-7-matter-so-much-brain-development

 

ترجمة: منى الزوين

مواضيع مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المواضيع

قائمة المحررين

الأكثر تعليقاً

فيديو