saudistem
EDGEx

الذكاء الاصطناعي والتعلم الاجتماعي العاطفي: نحو أنسنة التعليم في عصر التقنية

الذكاء الاصطناعي والتعلم الاجتماعي العاطفي: نحو أنسنة التعليم في عصر التقنية
كتابة: نورا خالد

يشهد عالمنا تسارعًا غير مسبوق في وتيرة التغيرات والمستحدثات على مختلف الأصعدة، وعلى رأسها المستحدثات التقنية.

ويبرز في مقدمة هذه التحولات ما يمكن تسميته بثورة الذكاء الاصطناعي. وتجدر الإشارة إلى أن المملكة العربية السعودية قد أعلنت – بقرار من مجلس الوزراء – تسمية عام 2026 بعام الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس أهمية هذا المجال ودوره المتنامي في مختلف القطاعات، ومنها قطاع التعليم.

ومع هذا التغير المتسارع، أصبح استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم واقعًا يزداد حضورًا يومًا بعد يوم، بل إن توظيفه بوعي وكفاءة أصبح مؤشرًا على تميز المعلم وقدرته على مواكبة التحولات المعاصرة. وفي المقابل، تظهر أصوات تربوية تحذر من الاندماج المفرط للأطفال في عالم التكنولوجيا والشاشات والأنظمة الذكية، لما قد يترتب عليه من آثار سلبية محتملة على الصحة النفسية والجسدية للطفل.

وهنا يبرز سؤال مهم: إلى أي جانب يمكن أن نقف؟ وهل يمثل الذكاء الاصطناعي تهديدًا لسلامة الطلاب النفسية والاجتماعية، أم يمكن توظيفه بطريقة تدعم نموهم المتكامل؟

وبصفتي مهتمة بمجال التعلم الاجتماعي العاطفي (SEL)، كثيرًا ما تتبادر إلى ذهني مجموعة من التساؤلات: هل يمكن أن يؤثر الذكاء الاصطناعي سلبًا في الحالة النفسية والصحة العقلية للطلاب؟ وإلى أي مدى يمكن توظيفه في التعليم؟ وما الأساليب التربوية الصحيحة التي تمكّننا من تضمين الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية بطريقة تعزز التعلم وتحافظ في الوقت ذاته على الأمان النفسي والعاطفي للطلاب؟ وهل يمكن أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تنمية مهارات التعلم الاجتماعي العاطفي لدى المتعلمين؟ وكيف يمكن تحقيق ذلك داخل الصف الدراسي؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، من المهم أولًا توضيح مجال التعلم الاجتماعي العاطفي. إذ يركز هذا المجال على تنمية خمس كفاءات أساسية لدى المتعلم، وهي: الوعي الذاتي، وإدارة الذات، والوعي الاجتماعي، ومهارات إدارة العلاقات، واتخاذ القرارات المسؤولة. أما الذكاء الاصطناعي في التعليم فيتمثل في مجموعة من الأدوات والتقنيات التي يمكن أن تدعم المعلم والطالب في عملية التعلم بطرق متعددة، مثل التخطيط، وتحليل البيانات، وتقديم التمارين التفاعلية، وبناء نماذج المحاكاة التعليمية.

ومن هنا يتضح أن المشكلة لا تكمن في الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل في طريقة استخدامه. فعندما يُستخدم ليحل محل العلاقات الإنسانية داخل البيئة التعليمية، فإنه قد يضعف المهارات الاجتماعية والعاطفية لدى الطلاب. أما إذا استُخدم لدعم التفاعل والتأمل الذاتي وتعزيز فرص التعلم، فقد يصبح أداة فاعلة في تنمية تلك المهارات.

وتشير العديد من النقاشات التربوية إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي في التعليم قد يكون إيجابيًا أو سلبيًا تبعًا لطريقة توظيفه. فمن بين التأثيرات السلبية المحتملة:

  • الاعتماد الزائد على التقنية، مما قد يقلل من استقلالية التفكير لدى الطلاب.
  • العزلة الاجتماعية إذا أصبح التفاعل مع التقنية يفوق التفاعل مع الآخرين.
  • الضغط النفسي والمقارنة المستمرة، خصوصًا إذا استُخدمت التقنية في التقييم أو المنافسة بشكل مفرط.
  • فقدان الشعور بالكفاءة عندما يعتقد الطالب أن الآلة أكثر قدرة منه.

وفي المقابل، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في دعم الصحة النفسية للطلاب عندما يُستخدم بطريقة متوازنة، مثل:

  • تقديم دعم تعليمي شخصي يراعي الفروق الفردية ويقلل شعور الطالب بالإحباط.
  • مساعدة الطلاب الخجولين على طرح الأسئلة دون تردد.
  • توفير فرص تعلم مرنة تراعي سرعة كل طالب وإيقاع تعلمه.

كما يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم على ثلاثة مستويات رئيسة:

أولها دعم المعلم، من خلال المساعدة في تصميم الأنشطة التعليمية، وإعداد الأسئلة، وبناء خطط الدروس، وتحليل أداء الطلاب.

وثانيها دعم تعلم الطلاب عبر الشرح التفاعلي، والتمارين المخصصة، والتغذية الراجعة الفورية.

أما المستوى الثالث فيتمثل في دعم البيئة التعليمية عمومًا، من خلال تحليل بيانات التعلم واكتشاف صعوبات التعلم في وقت مبكر.

ومع ذلك تبقى القاعدة التربوية الأساسية هي أن الذكاء الاصطناعي أداة تدعم التعلم، لكنه لا يمكن أن يحل محل المعلم أو العلاقات الإنسانية التي تشكل جوهر العملية التعليمية.

ومن هنا يبرز سؤال آخر: كيف يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي دون التأثير في الأمان النفسي للطلاب؟

يمكن تحقيق ذلك من خلال عدد من المبادئ التربوية الأساسية. أولها إبقاء المعلم في مركز العملية التعليمية؛ فالمعلم هو من يقود النقاش ويضبط التفاعل ويبني العلاقات داخل الصف، بينما تبقى التقنية أداة مساندة. وثانيها تعزيز التفكير بدلًا من استبداله، بحيث يستخدم الطلاب الذكاء الاصطناعي لطرح الأسئلة وتحليل الأفكار وتطوير إجاباتهم، لا للحصول على إجابات جاهزة فحسب. أما المبدأ الثالث فيتمثل في تعزيز التعلم التعاوني، من خلال توظيف الذكاء الاصطناعي في النقاشات الجماعية والمشاريع المشتركة والأنشطة الصفية التي تعزز التفاعل بين الطلاب. ويأتي المبدأ الرابع في تعليم الطلاب أخلاقيات التعامل مع الذكاء الاصطناعي، مثل التفكير النقدي لمخرجاته، واحترام الخصوصية، وتعزيز قيم المواطنة الرقمية.

وفي هذا السياق، يمكن أن يكون توظيف الذكاء الاصطناعي في تنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية تكامليًا مع أهداف التعليم، لا متعارضًا معها. إذ يمكن استخدامه في توليد سيناريوهات تعليمية تحاكي مواقف اجتماعية، أو تدريب الطلاب على التعاطف واتخاذ القرار، أو تحليل أنماط التفاعل داخل الأنشطة التعليمية.

ويمكن دمج الذكاء الاصطناعي في تنمية مهارات التعلم الاجتماعي العاطفي داخل الصف من خلال عدد من الممارسات العملية، مثل تشجيع الطلاب على كتابة يومياتهم بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي، حيث يمكن لهذه الأدوات طرح أسئلة تعمّق التفكير وتساعد الطلاب على فهم مشاعرهم والتعامل معها بطريقة أكثر وعيًا. كما يمكن للمعلم طرح مواقف اجتماعية للنقاش، كحالة طالب يتعرض للتنمر أو طالب جديد يشعر بالعزلة، ثم يطلب من الطلاب اقتراح ردود مختلفة يمكن توليدها بمساعدة الذكاء الاصطناعي، ليجري بعد ذلك نقاش صفي حول أكثر الردود تعاطفًا وأقلها إضرارًا بالآخرين.

كذلك يمكن استخدام نماذج المحاكاة الحوارية التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، بحيث يمارس الطلاب مهارات مثل الاعتذار، أو حل الخلافات، أو التعبير عن الرأي باحترام. كما يمكن تشجيعهم على كتابة مواقفهم الشخصية وردود أفعالهم حول مواقف مرّوا بها، مثل موقف شعروا فيه بالغضب أو الفخر، ثم استخدام الذكاء الاصطناعي لطرح أسئلة تساعدهم على التأمل في تلك التجارب واستخلاص الدروس منها. وبذلك يمكننا بناء علاقة صحية ومتوازنة مع أدوات الذكاء الاصطناعي داخل البيئة التعليمية. فالذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يحل محل الإنسان في التعليم والتعلم، بل ينبغي أن يسهم في تعزيز أنسنة التعليم ودعم نمو الطلاب معرفيًا ونفسيًا واجتماعيًا.

 

Image from: freepik.com

 

كتابة: نورا خالد

مواضيع مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المواضيع

قائمة المحررين

الأكثر تعليقاً

فيديو