معرض المدارس الدولي
مرشد سياحي

تحليل الطلب على التعليم التقني كمدخل اقتصادي للتخطيط التربوي

تحليل الطلب على التعليم التقني كمدخل اقتصادي للتخطيط التربوي
وفاء محمد العتيبي

ما مدى الطلب على التعليم التقني وما دوره في البناء الاقتصادي؟ لعل هذه الأسئلة ترتبط بدراسة حديثة استخدمت المنهج الوصفي التحليلي من خلال استعراض مجموعة من الدراسات السابقة والأدب النظري. وتوصلت الدراسة إلى أن للتعليم التقني دورًا هامًا جداً في تهيئة الطلاب للدخول في سوق العمل من خلال اكتساب الخبرات والمهارات والمعارف التي تضمن لهم تلبية حاجات السوق.

 

ويشكل الطلب على التعليم هاجس مختلف البلدان منذ نهاية القرن الماضي، ويعزى ذلك إلى أن هناك عدة أسباب تفسر التزايد السريع في الطلب على التعليم منذ أواخر الحرب العالمية الثانية، ومن هذه الأسباب الطموح التعليمي المتزايد لكل من الآباء والأبناء، والسياسة العامة للدول بكون التطوير التربوي يعد شرط أساسي في تحقيق التنمية الاجتماعية، والانفجار السكاني الذي أدى إلى مضاعفة الطلب على التعليم بمختلف تخصصاته، بالتالي هناك تزايد مستمر لأسباب اجتماعية واقتصادية أو سياسية للتزايد المستمر في الطلب على التعليم (أبو كليلة، 1992).  وقد لعب التعليم التقني دوراً مهماً في تحقيق التنمية المستدامة في مختلف قاعات المجتمع منذ زمن، فهو يسهم في تعلّم الأفراد لأهم التقنيات المعرفية التي تساعدهم في بناء المجتمع والأفراد في آن واحد، فيمكن ربط الإنتاجية بمدى تطور وتقدم التعلم التقني، فلابد للتنافسية من الارتقاء مع التعلم القني الناجع، بالتالي التعلم التقني يعد مكون رئيس للنهوض بالأفراد والمجتمع والاقتصاد أيضًا (نصر الله، 2018).

 

ومن هنا جاء الاقتصاد التربوي كأحد الأعمدة الرئيسية للاقتصاد في معظم دول العالم، فالتعليم ذو طابع استثماري، حيت تسهم مخرجات التعليم في تكوين عنصر استثماري هام جداً (الوادعي، 2021). ومن السمات الرئيسية لوظيفة الاستثمار في التعليم (الاقتصاد التربوي) أن عوائده تظهر على المدى الطويل، لذلك يجب القيام باستثمارات مستدامة في رأس المال البشري (الطلاب داخل الصفوف الدراسية) الذي يتطلب بذل جهد في المهام التي غالبًا ما يكون لها عوائد منخفضة نسبيًا على المدى القريب في حين يكون العائد مرتفع على المدى الطويل، مثل الانتباه في الفصل، إكمال المهم اليومية والتركيز على الاختبارات، ويعتبر التعليم على المستوى الفردي والعمومي مزيجاً من الاستهلاك والادخار، فحين تقوم الأسرة بالإنفاق على أولادها في التعليم تأمل في حصد النتائج مستقبلاً، ويوم بعد يوم يزداد الاهتمام بالإنفاق على التعليم كنوع من الاستثمار بالمستقبل (Levitt, et al., 2016) .

 

ومن أولى المهام التي يقوم بها القائمون على المؤسسات التربوية هي التخطيط التربوي، بكونه حجر الأساس للتنمية البشرية، فالبناء البشري يقوم على التخطيط السليم، بالتالي التخطيط التربوي الأفضل سيؤدي إلى نتائج ذات جودة عالية، انطلاقًا من ذلك، فإن التخطيط هو المهمة الإدارية الأولى التي لا بد الانطلاق منها، فبدون الخطط الصحيحة لا يمكن تحقيق نتائج مثالية، وكيف ذلك ونحن نتحدث عن التربية التي هي من أعمدة بناء الإنسان (حداد وبخوش، 2017).

 

أهداف التعليم التقني

ذكر آدم (2014) أن هناك مجموعة من الأهداف للتعليم التقني، وقد تتلخص فيما يلي:

-رفع مستوى الشباب على المستوى المهني والوجداني والاجتماعي.

-نشر ثقافة البحث والتجارب ذات الطابع المعرفي.

-تهيئة طبقة من العمال ذوو المهارة العالية.

-تدريب الشباب لشغل وظائف في الدولة.

 

مسارات التعليم في المدارس التقنية

تحدث نصر الله (2018) أن هناك مساران أساسيان للتعليم التقني، ويتجلى ذلك في:

أولاً: المهني: يقصد به حين ينهي الطلاب الذين أنهو الصف الحادي عشر المهني، في نهاية المرحلة الثانوية، بشكل يمكنهم من الالتحاق بالجامعات والكليات التقنية في مختلف التخصصات.

ثانياً: التطبيقي: هي تلك المرحلة التي ينهي فيها الطلاب سنة الاختصاص بنجاح وفي ختام هذه المرحل يتقدم الطالب إلى الامتحان التطبيقي الشامل للمدارس المهنية، وذلك يساعد الطالب على الانخراط بسوق العمل حين اجتيازه للاختبار.

 

 

الطلب على التعليم

تعمل مختلف الحكومات على تخصيص مبالغ طائلة من ميزانية الدول للإنفاق على التعليم، حيث ترتبط مختلف التخصصات ارتباط مباشر بالدخل القومي وبميزانية الحكومات من جهة أخرى، ولذلك تعتبر النسبة بين ميزانية التعليم وكل من الخل القومي والميزانية العامة للدولة من المعايير التي يستدل بها على الجهد النسبي الذي تبذله الدولة على التعليم، وهو ما يمكن أن يتخذ أساساً للمقارنة بين الدول المختلفة (الخالدي، 2008). أكد حورية (2019، 125) أن الكلفة التعليمة هي ما يتم إنفاقه على الشيء لتحصيله من مال أو جهد، “تكلفة التعليم” تعادل بشكل كبير “الإنفاق على التعليم”، وفي القطاع التربوي إذا كانت الوحدة هي الطالب، فإن الطالب تساوي النسبة بين إجمالي النفقات في المؤسسة التعليمية وبين عدد الطلاب. أكد العصفور (2015) أن الطلب المتزايد على التعليم يواجه صعوبات عديدة في الدول، فهناك ارتفاع في نسبة الشباب بين السكان، والحقائق الديمغرافية المتعلقة بمعدل الإناث إلى الذكور، ومحدودية استيعاب التعليم وغياب التنسيق بين المؤسسات التربوية، فالعجز المالي، وعشوائية الخطط الحكومية، تشكل عائق مهم جداً أمام الموائمة بين الطلب على التعليم والتزايد السكاني الكبير.

 

التعليم استهلاكاً أو استثماراً؟

أكد حميدات وغزو (2011)، أن هناك ثلاثة طرق تساعد في فهم وجهات النظر المختلفة بتحليل الطلب على التعليم، وهي كالآتي:

 

الطريقة الأولى: ترى أن الطلب على التعليم هو قرار استثماري، ويتم اتخاذ قرار الالتحاق بالتعليم إذا كانت القيمة الحالية للمنافع المتوقعة من التعليم تفوق القيمة الحالية للتكاليف، علما بأن كل من المنافع والتكاليف يمكن أن تقسم إلى قسمين مادية وغير مادية، فالمادية متمثلة في التكاليف أو المنافع المباشرة التي يدفعها أو يجنيها الشخص من التعليم، أما غير المادية فتتمثل في المكانة الاجتماعية والمتعة من ذهاب الشخص للتعليم أو للعمل.

 

 

الطريقة الثانية: والتي تقوم على أن قرار التعليم هو قرار استهلاك حالي أي أن التعليم سلعة تحقق منفعة وبالتالي يتحدد الطلب على هذه السلعة بعدة عوامل منها: سعر السلعة، واسعار السلع المكملة والبديلة، وتكلفة الفرصة البديلة (الفرصة البديلة للتعليم هو العمل) عدد السكان، والدخل وتوزيع الدخل، وفي مرحلة التعليم العالي يمكن اضافة اعداد الطلبة خريجي الثانوية العامة، ومعدل البطالة للقوى العاملة المتعلمة وغير المتعلمة.

 

الطريقة الثالثة: أن هذه الطريقة تقوم على تعظيم المنفعة بالنسبة للأفراد بناء على الدخل المتاح وسلوك الأفراد، ويمكن صياغة نموذج اقتصادي لمعرفة قرار الالتحاق بالتعليم بافتراض أن كل فرد له دالة منفعة خاصة به، تعتمد على الاستثمار البشري نتيجة التعليم وكذلك استهلاك السلع والخدمات الأخرى.

 

أبعاد الاقتصاد التعليمي

أكد الصمادي (2015) أن لعلم اقتصاديات التعليم عدة أبعاد، ويمكن إيجازها بما يلي:

-التكلفة: ويقصد بها تلك الأموال التي تنفق على العملية التعليمية بغية تحقيق الأهداف المرجوة منها.

-الفائدة: وهي العوائد التي يتم الحصول عليها من العملية التعليمة وقد تكون على مستوى الفرد أو المجتمع، وبحسب الدراسات الحالية أن العائد من الرأس البشري هو يفوق العوائد من رأس المال البشري بحوالي ثلاث أضعاف.

-معدل العائد: وتعني العائد المادي الذي يتم الحصول عليه من البرامج التعليمية المختلفة.

-الخيارات: وهي مجموعة الخيارات المتاحة المتعلقة بالنظم التعليمية والتي بموجبها يتم اختيار الأفضل.

-مصادر التمويل: وهي تلك المصادر التي تقوم بتمويل العملية التعليمية (داخلية أو خارجية).

-الكفاية والفاعلية والتقييم: ويقصد بها جودة الخدمات التعليمية المقدمة ومدى انسجامها مع حاجات السوق المختلفة، في حين الكفاية هي قياس مدى فلعلية البرامج ودرجة تحقيقها لأهدافها على المستويات المختلفة (بشرياً، وتربوياً، وإدارياً).

 

أهمية الاقتصاد التعليمي

تأتي أهمية الاقتصاد التعليمي بكونه مجالاً حيوياً في الدراسات العلمية الحالية، وقد بدا الاهتمام به من ستينيات  القرن الماضي بالرغم من كونه قد ظهر في اليونان منذ العصور القديمة، فهو يركز على التكلفة والتعليم وعلى العائد الاقتصادي للعملية التعليمية، والنفسي كذلك، وفي ظل التقدم التكنولوجي الهائل والانفجار المعرفي أصبح الاهتمام بهذا العلم يدخل بكافة مفاصل الحياة العملية، فالمجتمعات المتقدمة هي التي تعنى باقتصاديات التعليم، بكونه يضمن مصادر دخل متنوعة للاقتصاد المحلي ويضمن ديمومته في ظل التنافس الاقتصادي الكبير بين مختلف البلدان، فالإنتاج المعرفي بدون تسويق ملائم يفقد أهميته ودوره في تطوير المجتمع (الصمادي، 2015، ص4).

 

إن الاهتمام باقتصاد المعرفة قد تزايد تبعًا للاهتمام بإدارة المعرفة ذلك يظهر أن الإدارة المعرفية من الأهمية بمكان؛ إذ تسهم في تسهيل عملية اتخاذ القرار، وذلك عن طريق البيانات التي توفر للإدارة قدرًا كبيرًا من المعلومات، والتي بدورها تجعل المنظمة قادرة على اتخاذ قرارات مهمة وذات جودة عالية. ويتمثل ذلك في كون الموظفين قادرين على القيام بعمليات التحسين والجودة والسرعة في اتخاذ القرار المناسب، وذلك عن طريق قدرتهم واستطاعتهم أن يصلوا إلى المعرفة والمعلومات حين يحتاجون إليها، إضافة إلى القدرة على تبادل الآراء ونقل الخبرات المتعددة، ومن هنا فإن إدارة المعرفة وأنظمتها تجعل من عملية اتخاذ القرارات عملية ناجحة وأكثر مصداقية.

 

تبين من خلال هذه الدراسة:

-أن الطلب المتزايد على التعليم يعزى لأسباب عديدة، فالتزايد السكاني يعد عامل رئيس وخاصةً فئات الشباب، كما أن ارتفاع تكاليف الدراسة في البلدان الأوروبية، جعل من الطلب على التعليم بكافة تخصصاته يزداد بشكل ملحوظ.

-تبنت مؤسسات التعليم مفهوم التعليم التقني، بكونه يغطي احتياجات سوق العمل، وخاصةً تلك التي تتطلب معرفة وخبرة عملية منسجمة مع حاجات السوق العملية.

-شكل التعليم التقني أكثر من أي وقت مضى، حاجة ملحة لتلبية احتياجات سوق العمل المتغيرة، بكونه يجمع بين المهارات الأكاديمية والتقنية والمعرفية والتدريبة اللازمة للنجاح في سوق العمل.

-التعليم التقني يوفر للطلاب المعرفة والمهارات التقنية اللازمة لدراسة واستخدام الآلات والمعدات وأجهزة التحكم الآلي المستخدمة في العديد من مجالات العلوم والتعليم والثقافة.

-يتم توفير التعليم التقني في المدارس الثانوية أو الجامعات، بكونه يضع الأساس اللازم لاكتساب المعرفة والمهارات التقنية التي يوفرها التعليم التقني والتدريب قبل الانخراط في التجربة الميدانية.

-كما تبين أن هناك العديد من الأسباب التي تجعل التعليم التقني مهمًا، بكونه مساهم حقيقي في النمو الاقتصادي، بشكل عام، التعليم، يمكن اعتباره عنصرًا حاسمًا في رأس المال البشري للبلدان -من كفاءة كل عامل على حدة ويساعد الاقتصادات على الارتقاء في عمليات الإنتاج.

 

وأوصت الدراسة بعدة أمور منها:

1-لابد من تشجيع الطلبة على التعليم التقني بشكل يسمح بإعداد الكوادر البشرية القادرة على تحقيق متطلبات واحتياجات سوق العمل المتزايدة.

2-وضع خطط استراتيجية للبرامج التعليمية التقنية والتعليمية لتحقيق احتياجات السوق مما يسهم في تحقيق التنمية الشاملة في المجتمع.

3-لا بد من تشجيع الطلاب على الدراسات المستقبلية التي تعنى بالتخطيط التربوي ومختلف عناصره.

 

المراجع:

-أبو كليلة، هادية محمد رشاد. (1992). الطلب الاجتماعي على التعليم العالي بمصر والسعودية: عوامله واتجاهاته المستقبلية، مجلة كلية التربية، جامعة المنصورة، 18، 28-61.

-آدم، بثينة علي شريف. (2014). التعليم التقني في السودان. مجلة العلوم الإنسانية، 15 (4)، 226-242.

-حداد، عيدة، وبخوش، وليد. (2017). دور التخطيط التربوي في إدارة التغيير لدى مديري تعليم المتوسطة والثانوية. ] رسالة ماجستير غير منشورة [، جامعة العربي بن مهيدي – أو البواقي.

-حميدات، وليد محمود، وغزو، عبد الله محمد. (2011). الطلب على التعليم الخاص بمراحله المختلفة: دراسة تطبيقية قياسية للحالة الأردنية (1979/1980- 2004/2005)، سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، 27 (39)، 1931-1949.

-حورية، على حسين محمد. (2019). فعالية الكلفة الخاصة لطلبة الثانوية العامة في المدارس الأهلية الأردنية للعام الدراسي 2017/2018م، العلوم التربوية – جامعة القاهرة، 27 (2)، 120-155.

-الصمادي، هشام محمد. (2015). دور اقتصاديات التعليم في مواجهة تحديات سوق العمل الأردني. مجلة جامعة القدس للأبحاث والدراسات، 5 (3)، 1-18.

-العصفور، عهود. (2015). سياسات الخصخصة وتزايد ضغط الطلب على التعليم العالي في الكويت، بحوث الدورة الثانية لمنتدى دراسات الخليج والجزيرة العربية: قضايا التعليم وتحدياته في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 365-394.

-نصر الله، عبد الفتاح. (2018). دور التعليم التقني والمهني في تعزيز التنمية المستدامة في الأراضي الفلسطينية، مؤتمر التنمية المستدامة في ظل بيئة متغيرة، جامعة النجاح الوطنية، 1-26.

-الوادعي، سعيد بن صالح بن سعيد. (2021). واقع الاستثمار التربوي في الجامعات السعودية في ضوء اقتصاد المعرفة. مجلة القراءة والمعرفة, 21 (235)، 261-303.‎

 

 

Levitt, S. D., List, J. A., Neckermann, S., & Sadoff, S. (2016). The behavioralist goes to school: Leveraging behavioral economics to improve educational performance. American Economic Journal: Economic Policy, 8(4), 183-219.

 

Image from: dawn.com

مواضيع مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *

آخر المواضيع

قائمة المحررين

الأكثر تعليقاً

فيديو