إن العلاقات الإنسانية ذات أهمية بالغة في أي مؤسسة لكونها القوى المحركة لسير العمل وجودة الحياة تحت مظلتها.
وإن سلّطنا الضوء على المدرسة كواحدة من المؤسسات التعليمية ذات الأهمية فستكون إحدى الأولويات البارزة للنظر هي العلاقة بين المعلم والطالب، إذ أن ضعف الروابط بينهما ينبئ بحدوث المشكلات السلوكية والنفسية والأكاديمية. وبالتالي بيئة صفية ومدرسية سلبية.
يقول جبران خليل جبران حول المعلم: “إذا كان بالحقيقة حكيماً، فإنه لا يأمركم أن تدخلوا بيت حكمته، بل يقودكم بالأحرى إلى عتبة فكركم وحكمتكم”. إن المعلم الجيد لا يجبر المتعلّم على فكره بل يفتح له الطريق لاكتشاف فكره الخاص، كما لا يمارس التسلّط أو الفوقية على طلابه، فلن يصل بهم سوى لمكان سلبي غير محمود وإن تفوّق بعضهم في النتائج الأكاديمية فلابد أن يقع التأثير السلبي على جوانب أخرى قد تكون غير مرئية لدى الطالب كأن يكوّن فكرة أو اعتقادات سلبية تجاه التعلّم أو صورة المعلم أو تجاه ذاته.
مع بداية العام الدراسي وانضمام المعلمون الجدد للعمل في المدارس غالباً ما يستمعون لنصائح من سبقوهم خبرةً فتكون ذات قيمة وداعمة لأفكارهم وفي أحيان أخرى قد تكون تهويل غير مبرر أو أفكار غير سليمة. لقد تلقيت من وقت ليس ببعيد نصيحة بلغة حادة في عملي مع الأطفال أثناء احتضانهم (نصيحة لا تعطيهم وجه!)، ولقد اعتقدت أن هذا النموذج الفكري غير موجود وقد عفا عليه الزمن لكثرة النماذج المميزة في الميدان التعليمي التربوي والذين يُظْهرون الوعي والانفتاح؛ لذا إن كنت معلماً جديداً فاختر طريقك المتفرّد بعيداً عن النصائح المحبطة واستمع للتجارب البنّاءة واصنع تجربتك الخاصة.
من هو المعلّم/ المعلمة؟
بحسب قاموس المعاني فإنه من اتخذ تعليم العلم للتلاميذ مهنة له، وفي ذات القاموس ورد معنى للمدرّس التربوي: وهو من يجمع بين الدراسة الأكاديمية ومناهج التربية وطرق التدريس. أما الطالب/الطالبة فهو من يطلب العلم، والتلميذ/التلميذة: هو من لزم شخصاً ليتعلّم منه علماً أو حرفه.
فعلى المعلم أولاً أن يعرف نفسه من يكون؟، وما دوره؟ وما متطلبات هذا الدور؟، و ما يميّزه من مهارات وسمات؟ وكيف يوظّفها لجعل عمله أكثر متعة وفردانية؟
لبناء علاقة صحيّة مع الطلبة في المراحل المختلفة لابد من تحديد أسس هامة:
– ماهية المرحلة العمرية وما خصائصها؟ (خصائص النمو المعرفي، الفكري، الاجتماعي، الجسدي، النفسي) جميعها ذات تأثير مباشر على صحة العلاقة مع الطلبة وتعلّمهم.
– تحديد الهدف من العلاقة: إن العلاقة بين المعلم وطلابه هي رابط ذو معنى عميق حيث أن التربية والتعليم وبناء الإنسان وتحقيق نموذج القدوة الصالحة لهم تصنع البيئة الآمنة المُحِبّة.
– الثبات في مواجهة التحديات المعيقة للبناء.
– المرونة في التنقل بين الاستراتيجيات المساعدة فليس هناك طريقة واحدة تناسب الجميع ولا حل بعينه.
– تحديد الرؤية والأهداف الخاصة بك، والمتصلة بأهداف ورؤية المدرسة ووزارة التعليم والعمل بناءً عليها.
– بناء علاقة إيجابية فاعلة مع ولي الأمر أحد الأسس الهامة، والتي ستدفع بعملك مع الطالب لمستوى أفضل، فاحرص على تحديد وسيلة تواصل مناسبة، واحرص على عقد اجتماعات دورية سواء حضورياً أو عن بعد، وأطلعهم على أهدافك ورؤيتك وطريقة عملك مع أبنائهم/بناتهم وما تتوقعه منهم، وفي المقابل أطلب منهم مشاركة ما يتوقعونه منك لتقريب وجهات النظر لتكوّن بهذه العلاقة فريق عمل نَشِط وفعّال.
طرق فعّالة لبناء علاقة إيجابية مع الطلبة:
– كن مرناً: اردم حواجز التباين العمري والفكري بينكم، وأنشئ محادثات في صميم اهتماماتهم وتطلّعاتهم فهكذا تُكسبهم قيمة تجعلهم ينجذبون نحوك لقضاء وقت لطيف والتعلّم معك.
– لكل مقام مقال: يعتادها الطلبة عندما يكتسبون الآداب الصفية (القوانين الصفية) وعندما يشهدون مرونتك في الانتقال مثلاً من موقف فكاهي إلى موقف تعلّم جاد.
– كن نموذجاً في التميّز قبل أن تسعى له في طلابك وشاركهم منجزاتك.
– الحرص على إعطائهم القيمة التي يستحقون كإنسان: فالطالب ليس سلوكياته الظاهرة أمامك! بل هو عبارة عن مجرّة تدور في فلك التربية الوالدية والظروف الاجتماعية والأسرية والصحية التي قد تكون ليست بالجودة المرجوّة فتنعكس عليه.
– أنصت لشكواهم ومشاعرهم و”احرص” على أن يأخذوا حقهم بشكل تربوي وعدم التهاون في مواقف التنمر والإيذاء مهما كانت صغيرة في نظر البعض! فهذا سيجعلك ملجأ آمن لهم، وقيمك واضحة تماماً في أذهانهم مما يجعلهم يطبّقون السلوكيات الإيجابية ويتجنّبون السلبي منها.
– عبّر عن مشاعرك الطيبة تجاههم واسمح لهم بذلك.
– علّمهم حقوقهم وما المتوقّع منهم أيضاً تجاه حقوقهم وحقوق الآخرين.
– ازرع الأمل في نفوسهم وآمن بقدراتهم، واسمح لهم بإطلاق أفكارهم وأمانيهم؛ إذ أنه بالإمكان استخدام السرد القصصي القصير أو مشاهد الفيديو أو سرد مواقف قصيرة ليُبدون آرائهم حولها لآخرون مثلهم حققوا النجاح في حياتهم ذلك يجذب الطلاب للاستماع والتخيّل ويقرّب بين فكرة التحفيز من أجل المستقبل وما هم عليه بالفعل، هذا النوع من الجلسات بين المعلم وطلابه إنساني يضفي طابعاً إيجابياً على العلاقة.
– اسقِ الخير في داخلهم فجميعهم بكافة المراحل المختلفة لديهم هذا الاستعداد بل إنه مُدْرَج في الدليل الإجرائي لخصائص النمو الصادر عن وزارة التعليم ويحوي تطبيقات قيّمة لجميع مظاهر النمو ولمختلف المراحل العمرية.
– روح الدعابة والمرح يحبها الجميع فهي تنشر السرور وعامل جذب للبقاء مع المعلم وهي لا تتعارض مع الإدارة الصفية -كما يعتقد البعض- بل تحفّز الطاقة الإيجابية في الأجواء الدراسية.
– الآداب الصفية (القوانين الصفية) الواضحة مع الثبات في العمل بها هي بمثابة زر التحكم غير المرئي في البيئة الصفية وبالإمكان وضعها بمرونة بمشاركة الطلبة أنفسهم.
– قيمة الثقة عندما يشعر بها الطالب في علاقته مع المعلم تنعكس على سلوكه وعلى تقبّله للمطلوب وكذلك على نظرته تجاه نفسه وتجاه المعلّم.
– توفّر الأنشطة الطلابية المحفّزة للمواهب والهوايات مع حرص المعلم على الاستفادة منها وحضورها ومشاهدة طلابه وتشجيعهم ورفع معنوياتهم وثقتهم بأنفسهم هذه واحدة من الطرق ذات الفائدة لتقوية علاقة المعلم بطلابه، وكذلك تنمية الاتجاه الإيجابي لهم تجاه ذواتهم وبالتالي سيكون انعكاسه على جودة تلك العلاقة والبيئة الصفية والمدرسية عموماً.
– كن قدوة مناسبة لطلابك بأخلاقك وبالموازنة بين دورك كمعلم فعّال ودورهم كطلاب فاعلون، فما تقدّمه وتفعله سيكون انعكاسك عليهم والمؤثر على سير العلاقة واستمراريتها بشكل جيد.
-اجعل رأيهم مسموع ومحل اهتمامك واهتمام المدرسة لكسب ثقتهم على مساحة علاقة أوسع من معلم وطالب لتمتد للمجتمع المدرسي.
– كن محبّاً ورحوماً فهذا ما يحتاجه الجميع.
– كن مثقفاً ومطلعاً ومُجدّداً لتكوّن وجهتك الخاصة والتي ستظهر آثارها على سلوكك وعملك وحديثك.
بعض المعلمون والمعلمات يولون أهمية كاملة للمنهج وتحقيق النتائج الأكاديمية، وهذا رائع ولكن دون التأسيس للعلاقة الهامة مع طلابهم سيكون التعلّم عبئاً ينقصه الكثير، وآخرون يعتقدون أن قوة المعلّم في قسوته وصرامته ووضع الحدود والحواجز ليكتسب هيبته في عيون الطلاب، ولو نظرنا لأنفسنا عندما كنّا صغاراً في الصفوف الدراسية لم يكن تأثير هذا النوع من المعلّمون سوى الصورة السلبية التي يضيق بها الشعور لمجرد استحضارها في الذاكرة.
لم يكن هذا النموذج يوماً محفّزاً لشيء عدا تجنّبه والخوف منه فيظنها احتراماً. وعلى الجانب الآخر النموذج المتساهل الذي لا يلقي بالاً للقوانين الصفية ولا يُحسِن أخذ العلاقة لأي منحى هادف.
إذاً، النصيحة لكل معلم ومعلمة بالموازنة في العلاقة بينهم وبين الطالب وتأسيسها بوعي بناءً على أهداف وأساليب مخطط لها لتشهد ثمارها وترتقي بالنتائج لحد الأجر من الله على جميل غرسك في جيل سيخدم الوطن ويعمّر الأرض.
الصورة من حساب تعليم جدة
كتابة: أمل طاهر الأسود
اترك تعليقاً
لن يتم نشر البريد الإلكتروني الخاص بك. الحقول المطلوبة مؤشرة بعلامة *